الغرب يقرع طبول الحرب ضد داعش أم سوريا والعراق ؟

 

في خضم التحليلات التي تحاول تفسير التطورات التي يشهدها المعترك الشرق أوسطي، هناك تحليل “متفائل” يحتل – عن اقتناع ساذج أو عن انحياز لمشاريع الهيمنة – موقعاً بارزاً في تفكير العديد من المحللين.خلاصته فكرة تقول بأن وصول العمليات الإرهابية التي نفذتها داعش إلى فرنسا، وإمكانية تنفيذها لعمليات مشابهة في بلدان أوروبية وغربية أخرى، سيدفع الغرب إلى اتخاذ إجراءات صارمة بهدف اجتثاث داعش بشكل نهائي..الغرب الامبريالي كـ “محرر” ! وبغض النظر عن صحة هذه الفكرة أو عدم صحتها، فإن الواضح أنها تنطوي على قدر كبير من الخطورة.أولاً، لأنها تعلق أملاً على دور حاسم قد يقوم به الغرب الذي صنع داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية في تخليص المنطقة من داعش ومن تلك التنظيمات… وحتى لو تجاوزنا مسألة الدور الغربي في صنع الإرهاب، فإن هذه الفكرة تذكرنا بالآمال التي علقها العرب، قبل مئة عام على الغرب الذي نظروا إليه كمحرر للمنطقة من سيطرة العثمانيين. ولا تكمن خطورة الفكرة في كونها لا تستفيد من دروس الماضي المؤلم وحسب، بل في كونها تسهم في صنع حاضر ومستقبل أشد إيلاماً ومرارة.وثانياً، لأن اقتصارها على ذكر داعش يستبطن احتضاناً للطرح الغربي الذي يناور من أجل تبيض صفحة الإرهاب، عبر الحديث، بدلاً من الإرهاب، عن معارضة مسلحة معتدل أو عن معارضة تمارس “عملاً جيداً”.فحتى لو اتخذ الغربيون موقفاً صارماً من داعش وبدأوا بتوجيه ضربات جدية إليها، فإن شيئاً لا يمنع الداعشيين من التحول إلى إرهابيين معتدلين عبر الانتقال إلى واحد من التنظيمات التي يتم العمل حالياً على تلميع صورتها وتقديمها تحت عنوان الاعتدال. ألم يحدث مثل ذلك عندما انضم مئات الإرهابيين “المعتدلين” إلى صفوف المتطرفين فور انتهاء وكالة الاستخبارات الأميركية من تسليحهم وتدريبهم ؟وثالثاً، لأنها تقوم على تصور خاطئ حول ما يعنيه، بالنسبة للمسؤولين الغربيين، سقوط ضحايا غربيين في العمليات الإرهابية، أو في حروب العدوان التي شنتها وما تزال تشنها القوى الغربية في مختلف مناطق العالم.وبكلام أكثر وضوحاً، لم نسمع أن أحداً من كبار المسؤولين الفرنسيين أو صغارهم قد نقل إلى قسم الطوارئ بعد أن أصيب بالانهيار لشدة لوعته وحزنه على ضحايا الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها باريس ؟علم مسبق بالعمليات الإرهابية..فالحقيقة هي أن هؤلاء الزعماء لا يختلفون عن كبيرهم جورج بوش. فقد كان هذا الأخير على علم مسبق بهجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، والأكيد أنه فرح لأنها نفذت بـ”نجاح” إذ أن هذا النجاح هو ما شكل ذريعة للحرب التي كانت واشنطن متلهفة لأن تشنها على العالم من أجل إقامة الإمبراطورية الأميركية العالمية.وإنه لمن الصحيح تماماً أن أصوات الدعاة إلى الحرب قد ارتفعت بشكل ملموس في العواصم الغربية بعد 11 أيلول / سبتمبر، ثم بعد 13 تشرين الثاني / نوفمبر. ومن الصحيح تماماً، في الحالة الثانية، أن خطوات عملية قد تم القيام بها تحت عنوان محاربة داعش.لكن محاربة داعش من قبل التحالف المكون من عشرات الدول والذي تقوده واشنطن لم تفعل، منذ بدايتها قبل عام ونصف العام، غير تدمير البنى التحتية للدولتين السورية والعراقية وغير تقديم الدعم بألف شكل وشكل لداعش تحت ستار محاربتها.والحقيقة أن هذا بالضبط ما سيحصل فيما لو نزلت قوات عسكرية غربية على الأراضي السورية تحت غطاء محاربة داعش. لأن الدعاة إلى الحرب في أوروبا الغربية والولايات المتحدة يقولون بالفم الملآن أن المطلوب هو، إلى جانب قصف المدن التي تقدم دعماً لداعش، قصف جميع المدن السورية والعراقية، وإسقاط بشار الأسد، ومنع تمدد النفوذ الإيراني والروسي في المنطقة.ما يجري في المنطقة هو حرب بين معسكرين: معسكر الهيمنة الصهيو-أميركي وامتداداته الإقليمية بما فيها التنظيمات الإرهابية من جهة، ومعسكر التحرر المكون من محور المقاومة في المنطقة ومن قوى دولية في طليعتها روسيا والصين تعمل على إقامة عالم متعدد الأقطاب كبديل عن عالم القطب الأميركي الواحد والمسؤول عن الكوارث التي تضرب عالم اليوم. أما الإرهاب، فلا يعدو كونه قنابل دخانية تطلقها واشنطن وحلفاؤها بقصد التعتيم على الطبيعة الحقيقية للمواجهة.وعليه، فإن أية قوة غربية يتم إرسالها إلى المنطقة تحت ستار محاربة الإرهاب لا يمكنها إلا أن تكون مشروعاً عدوانياً يستهدف قوى المقاومة والتحرر.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.