البحث عن كرامة ما بين أنقاض وطن

على الرغمِ من وجودِ دستوراً يكفلها، ضاقت سبل الحياة الكريمة بالإنسان في بلدٍ عميق بتاريخه وغني بثرواته المعدنية المتعددة وموارده البشرية الهائلة، فغدا أنقاض وطن، مكتظ بالفقراءِ وشعبه يشعر على الدوامِ بإرادةٍ مسلوبة وسيادة غير مكتملة بفعلِ وقاحة بعض الطارئين الذين جعلتهم الأقدار من أقطابِ البيت السياسي، الذي أنتجته مفاقس البغاء الأمريكي والاستعلاء الأوروبي المدعوم بحقدِ دول إقليمية تسعى بإصرارٍ للإجهاضِ على المشروعِ السياسي العراقي، ولاسِيَّمَا ما ظهر من نشاطاتٍ تخريبية بقصدِ التضييق على عمليةِ الانتقال الديموقراطي.
في خضمِ المحنة الشعبية التي أنتجتها المواقف الحكومية المتباينة حول الغزو التركي للأراضي العراقية المصحوبة بتصريحاتِ بعض المسؤولين المتوافقة مع صلفِ إدارة أردوغان المهووس بإعادةِ أمجاد الدولة العثمانية عبر سياسة حكومته المتخبطة في المنطقة، تطرق مسامعنا وتثير مشاعرنا مواقف الحكومة التركية المعبرة عن عدمِ احترامها لجميعِ مطالبات الحكومة العراقية الداعية لأنهاءِ التوغل التركي في أطراف الموصل، فلا غرو أنْ يصبح العراق محطة لمن هب ودب بفعلِ عدم جدية بعض الأطراف المشاركة بالعملية السياسية في الحرصِ على تأمينِ المقومات، التي تفرضها عملية فرض السيادة، بوصفها مهمة وطنية ومسؤولية أخلاقية وإنسانية، وليس أدل على ذلك من تبخترِ الذئب السلجوقي المدعوم من البيت الأبيض الأمريكي، وسعيه الخبيث للالتفاف على تهوره حين يقول من دونِ خشية أو خجل إنَّ تركيا لن ترسل مزيداً من القواتِ إلى داخلِ الأراضي العراقية في محاولةِ لا يمكن تفسيرها إلا تعبيراً عن استخفافه بالعراق حكومة وشعباً بعد أنْ تركزت مواقف العراق الحكومية والشعبية على ضرورةِ إسراع الحكومة التركية بسحبِ قواتها العسكرية من شمالي البلاد بعد أن دخلتها عنوة ومن دونِ موافقة الحكومة المركزية.
إنَّ جميعَ معطيات الأزمة الحالية التي صنعتها تركيا لا تعطي مؤشرات تعكس نوايا تركية لسحبِ قواتها من العراق جراء عدم إمكانية المغرور العثماني الخروج على رغبةِ سيده الأمريكي، إلى جانبِ عجز الحكومة العراقية عن إيجاد بصيص أمل يدفع بالإدارة التركية إلى إعلانِ خروجها من البلاد بعد أنْ فشلت جميع الجهود الدبلوماسية بحملِ الاتراك على الإذعانِ لمطالبِ الحكومة العراقية المشروعة. وهو الأمر الذي يلزم الشعب العراقي بجميعِ مكوناته تجاوز شعار ( عاش العراق الحر المستقل الموحد )، وغيره من الشعاراتِ التي لا تجدي نفعاً، والانتقال إلى مرحلة المواجهة المصيرية عبر تفعيل إجراءات المقاطعة الاقتصادية مع الجانبِ التركي، الذي يجني سنوياً من تصديرِ بضائعه إلى العراق أكثر من ( 12 ) مليار دولار أمريكي، ما دامت الحكومة عاجزة عن إصدارِ قرار بمقاطعةِ جميع أشكال التعاون الاقتصادي مع تركيا.
إنَّ أقرب التجارب الماثلة أمامنا هي حادثة إسقاط الطائرة الروسية من قبلِ سلاح الجو التركي، التي عكست نجاح الدب الروسي في تقليمِ اظافر الذئب السلجوقي من دونِ أنْ يطلقَ رصاصة واحدة على الرغمِ من اكتنازه لأحدثِ الأسلحة الفتاكة وأسلحة الدمار الشامل، حيث أنَّ حكمةَ إدارة الكرملين قادتها للركونِ إلى أسلوب المقاطعة الاقتصادية.
في ظلِ إخفاق البيت السياسي العراقي بتوحيدِ الخطاب الوطني، فإنَّ مهمةَ الحفاظ على سلامةِ أراضينا من الاحتلال التركي، الذي يمهد لأجندة جديدة تسعى إلى تمزيق البلاد وشرذمة نسيج شعبها الاجتماعي، تفرض على الشعبِ العراقي نبذ التعامل بالمسمياتِ الطائفية والعرقية والاثنية والاهتداء إلى معيارِ المواطنة، الذي يلزم الباحثين عن الكرامةِ وقف التعامل مع البضائعِ التركية، بالإضافةِ إلى ضرورةِ مؤازرة إدارات القطاعات الإنتاجية بشقيها العام والخاص الشعب العراقي في توجهه لمقاطعةِ تركيا اقتصادياً من خلالِ الحرص على تطويرِ كفاءة المنتج الوطني، بالإضافةِ إلى تأهيلِ المصانع المتوقفة.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.