“أبواب ضيقة” لسلوى جراح: أبواب الوطن الضيقة و”الرحيبة”

بيلب

سلوى جراح، في “ابواب ضيقة”، ص، 215. تولي (وتتيح ..ايضا) المناهج النقدية الحداثية المعاصرة، أهمية خاصة الى “القارئ”: بصفته احد المرتكزات الاساس في تلقي الفعل الابداعي، وسبل ايصاله وتواصله مع آخرين. فمنظومة : “الكاتب- الكتاب- القارئ”، تضع الاخير ضمن منزلة هامة في ذلك التراتب التسلسي، فالمتلقي يبقى هو الاساس والمعني في سرد المبدع والتوجه اليه، ذلك السرد المضني والمرهق، (الذي نبهتنا سلوى جراح عليه في روايتها الممتعة، التي نحن بصدد الحديث عن قراءتنا لها)، وعن معاناة خلق ذلك السرد وتخليقه، فالكتابة، كما تشير “.. متعبة. الم يقل ارينست همنغواي، كل ما على الروائي ان يفعله، هو ان يجلس أمام الآلة الكاتبة، و.. ينزف؟” (ص. 115)، هذا النزف “اللذيذ” و..المنهك في آن، الذي لا احد يعرف مقدار مشقته الا من كان مبدعاً وسارداً لتلك الدواخل الدفينة التي تمور بها الانفس! ورواية “سلوى جراح” <ابواب ضيقة> (بيروت، 2015، عدد الصفحات: 240 صفحة من القطع المتوسط، الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، زاخرة باحداث موسومة باحاسيس وهموم كثيرة، يسردها نص جميل وممتع، يقتفي اثر “ابطاله” وسيرهم، او بالاحرى يسرد، بالاساس، ما تصادفه “بطلة” الرواية الاولى “نوار”، هي التي ما انفكت تبقى حاضرة في معظم صفحات الرواية، تروي لنا ما مرّ بها، وما مرّ به وطنها، الذي تنظر اليه، الآن، من مكان اقامتها النائي، مسترجعة كل “صفحات” حياتها، عبر سرد لرواية مكتوبة بلغة مميزة، مفعمة بعذوبة وشغف حميمي نادرين، يدهشنا كيف تمكنت “سلوى” من اجتراحها بتلك البلاغة المؤثرة! ومرة آخرى اعود لاذكر “بموقفي” الحالي ازاء الرواية وسردها، بكوني “قارئاً”، ما يسوغ لي ابداء رأيي الشخصي والخاص عنها، بعيداً عن اشتراطات مهام “الناقد الادبي” وغاياته ..وآلياته ايضا. اقول هذا لاحدد، ابتداءاً، مسعاي عن بواعث كلماتي التي اكتبها بصدد الرواية بعد متعة قراءتها. بالطبع، لا انفي، ان قراءتي لنص سلوى جراح، كانت محكومة بطبيعة مهنتي، وبنوعية وخصوصية ثقافتي. من هنا، يمكن توقع بان تلك القراءة قد لا تتوافق مع راي النقاد المهنيين، ولا حتى، ربما، مع هدف الكاتبة نفسها. بمعنى آخر، ان مثل تلك القراءات الخاصة للرواية تسوغها (مرة آخرى)، تعددية المقاربات القرائية وتنوع اساليبها. فاهمية النص، وخصوصا النص المبدع، تكمن قيمته وفائدته في هذا الجانب تحديدا، في اتاحته لامكانية اجتراح قراءات متعددة، مثلما تجيز تلك القراءات إدراك النص وفهمه فهما خاصا قابلا للتأويل الذاتي. وعلى العموم، فليس مطلوبا ايجاد تفاسير لمعاني النص ومقاصده، بقدر ما يستدعي الامر الفحص والتركيز على ما لم يقله النص، او بالاحرى على ما هو مضمر، ومسكوت عنه في سرد الراوي، والسعي وراء الغوص في “لا وعي” النص، لخلق “قراءة” خاصة، بمقدورها ان تساهم في تبيان قيمة النص وغنائه . ..وفهمه ابضاً. تعتمد سلوى جراح في سرد روايتها على تقنية الاختصار لمفردات الجمل التي تستخدمها. ثمة اختزال “كلماتي” وكثافة مفرداتية عالية، يمكن للقارئ ان يلحظهما، وهو يتابع ذلك السرد المميز. فهي تستعيض عن اطناب الجملة الفخمة، وتنأى بالنفس بعيداً عن خيارات توظيف كلمات عديدة مع مرادفاتها، وتسبدل كل ذلك بجمل قصيرة ذات كلمات موجزة ومحددة، تستطيع بها ترسيخ المعنى، مع تبيان حضوره القوي في لغة السرد الكتابي. وهذا الاسلوب السردي المتقشف، سبق ان عُرف عند لغة الكاتب “ارنيست همنغواي”، الذي اشارت اليه الكاتبة، في معرض حديثها عن “نزف” الكتابة. معلوم ان كثراً من النقاد ارجعوا هذه “الحرفة” الكتابية لتأثيرات الممارسة الصحفية في اسلوب الكاتب، عندما عمل “همنغواي” مراسلا حربيا لصحيفة امريكية في باريس ابان الحرب الكونية الاولى. وعد ذلك الاسلوب، وقتها، كشفاً جديدا في اللغة الروائية، مقارنة بتلك اللغة الباذخة لروايات القرن التاسع عشر. نعلم ان سلوى جراح عملت طويلا كإعلامية (اذاعية على وجه التحديد)، ولعل خصوصية عملها السابق، كان حاضراً ايضاً في اختياراتها لهذا الاسلوب “البرقي” في الكتابة. لكننا، علينا الاقرار ايضاً، بان اسلوب لغة “ابواب ضيقة” المصطفى هنا، اضاف حيوية وجزالة الى متن الرواية، ووسمها بطابع خاص، انفردت به، مثلما كرس معالمها الخاصة. تعبق مناخات رواية “ابواب ضيقة”، بانواع من تمازجات عديدة؛ وهذه التمازجات التي اجتهدت الكاتبة في تخليقها، شبكت الماضي بالحاضر، والمتخيل بالواقعي، والرمزي بالملموس، والمضمر بالوضوح. انها تقنية سردية يراد بها اثراء النص وتطعيمه بثنائيات متضادة، مهمتها الرفع من حدة تأثيرات ذلك النص وتلوينه بالوان لغوية زاهية. لكن “التقنية” التىي استخدمتها الروائية في متنها، والمتمثلة في إيجاد “فواصل” لهوامش، غايتها كسر استمرارية “جريان” التدفق السردي، كانت حدثاً لافتاً وجديدا في متن “ابواب ضيقة”. ثمة صفحات قليلة افردتها الكاتبة في نصها، تظهر فجأة في السرد الروائي، يراد بها تسويغ احداث ما، او تأكيد اقوال ما. احيانا، تبدو تلك الصفحات وكأن موضوعاتها “خارج” سياق السرد الروائي، فبعضها يتمثل بتبريرات تسوقها الكاتبة، لجهة تفاسير وردود على بعض الملاحظات التي قيلت عنها وعن رواياتها (ص.56)، وفي واقعة اخرى (ص. 146)، تسعى وراء توضيح احداث وقعت لها، بيد انها تعرج على توضيح نوعية الكتابة التي تستخدمها. تبدو تلك الهوامش/ الفواصل، وكأنها “قطع” مقصود، يراد به التأكيد، بان ثمة مناخاً روائياً “مختلقاً” يعمل بـ “التوازي” مع حضور “اجواء” آخرى، غالباً ما تتسم على احداث واقعية، لها همومها واسئلتها الخاصة، التي تستحق، احيانا، التحري عن اجابات مقنعة لها. وعلى ذكر “التوازي”، فان بنية الرواية، وكما اراها <مشيدة> (والتعبير “معماري” صرف، من دون ادنى ريب!)، على توظيف خلاق “لتوازٍ” آخر، يحضر، هو الاخر، بقوة ليشكل قوام النص الروائي وعموده الفقري. فالكاتبة وإن تابعت مصائر ابطالها الاساسيين في المتن الروائي، الا ان ذلك كان يجري على خلفية مشاهد زمانية ومكانية متنوعة. وكان “زمكان” تلك الاحداث يتغير ويتبدل طبقا لمسارات السرد الروائي المبتدع من الكاتبة، التي استطاعت ان تتنقل بابطالها (وبنا) من مدينة الى اخرى، وتجعلنا نزور ..ونحب تلك الامكنة التي تتحدث عنها بحميمية وعذوبة، بدءاً من البصرة والى كركوك، ثم بغداد والى خارج العراق، الى ببيروت وبراغ واخيرا لندن. واعد، شخصياً، هذا “التوازي” بمثابة <العنصر المهيمن> والاساس داخل النص الروائي، الذي يمكن له ان يساهم في “تفكيك” السرد، لجهة النفاذ الى دواخله، وانارته من الداخل، والكشف عن ما يضمره ويعنيه. نحن ، اذاً، ازاء بنية روائية، يشكلها حدثان مهمان واساسان، احدهما ظاهر، وبادٍ للعيان يتمثل في مسار حركة شخوص الرواية المحبوك والطباقي، والآخر متوارٍ عن الانظار، يبدو، وكأنه خلفية لتلك المسارات وارضية لها. لكن وجوده، في اعتقادي، لا يقل اهمية ونفوذاً عن “ظاهرية” الاحداث التى انطوى عليها المتن الروائي، بل اتجرأ واقول ان اهمية هذا الجانب، تحديداً، وقيمته ورمزيته (وخصوصا رمزيته!)، هي التى تمنح “شرعية” الوجود للنص الروائي المبتدع! ومرة اخرى, يتعين التذكير، بان قيمة السرد لا تنبع فقط عن واحدية الفهم والادراك للمعاني والدلالات التى يبثها مبدع النص في سرده للاحداث، وإنما تتأتي من التمرد على تلك الواحدية، وعدم استسهال الدلالات القطعية، وادراك طباقية Counterpoint المعنى، والتسليم بتعدديته. وكل هذا يجعل من احداث النص الروائي وحبكته بمثابة “دراسة حال” Case study ، لفكرة (لافكار) مضمرة، يمكن ان يتضمنها النص الروائي. وما على المتلقي الا ان يفتح كشافه لإنارة تلك الافكار وإستيعابها. في هذا المعنى، تبوح “ابواب ضيقة” من خلال تشابك احداثها وتعدد مسارات ابطالها، ومن خاصية المقاربة البنيوية لنصها، إمكانية وجود فعلين او حدثين يعارض احدهما الآخر. فكلما “تتقدم” احداث الرواية، وتسير نحو الامام باتجاه المستقبل، يظهر ثمة نكوص يعارض تلك الحركة، ويسحب “الاحداث” الى الوراء نحو الاسفل، ويرجعها خطوات عديدة. كأن الكاتبة تتوق الى تذكيرنا بما يحدث لبلد “ابطال” الرواية التى ينتمون اليه. كأنها تشير الى تلك المفارقة التى وسمت تاريخ ذلك البلد. كأنها تنزع الى اجراء نوع من “المقارنة”، ما بين مصائر النفوس التى اجتهدت في حب وطنها، وسعت وراء تقدمه وإنماءه، وما بين “الحظ” السيئ لتلك البقعة الجغرافية التى لا تشبه غيرها! ربما أوحت قراءة “ابواب ضيقة”، كعمل ابداعي مجتهد، الى نوع من المسائلة، شأنها شأن الاعمال المعرفية الجادة، التى عادة ما تطرح تساؤلات، اكثر بكثير من تقديم اجابات جاهزة ومحددة. واذا اردنا كشف الدلالات، والتحري عن رمزية الاحداث المتخمة بها رواية “ابواب ضيقة”، فسنجد، انفسنا، امام تساؤلات يزخر بها العمل المبتدع، عن احداث يبدو وقعها بعيدة عن المنطق، مثلما لا يمكن تسويغ بواعثها او ابجاد تبرير لها. اذ كيف يمكن، على سبيل المثال، ايجاد تعليل مقنع للنهايات المأساوية لمصائر بعض ابطال الرواية “الايجابيين”، وخصوصا “البطلة” <نوار>: المرأة المثقفة، والمخلصة، والمتنورة، والمحبة لزوجها ولعائلتها ولبلدها، بان تكون نهاياتها مفجعة، بالصيغة التى آلت اليها في الرواية؟ بل، لماذا يكون، باستمرار، مصير ناس بلد الرواية الاصلي، الطيبين، كثيري الوفاء والاخلاص عرضة للغدر، وغالبا مأساويا ومفجعا؟ هل يتعين ان تكون آلامهم ومعاناتهم “كفارة” لاثم ما، لا احد يعرف متى وقع، وما هو نوعه، او ما سببه؟ واذ كان من ثمة “اثم” او “خطيئة” وقعت، افليس في ذلك الحزن السرمدي، والعويل الدائم، والبكاء المرّ والنحيب المستمر، الذي يلف “بلد السواد” لقرون، بكافٍ لوقف تلك “الحوبة” والوزر الواقعين؟! لاتجيب، بالطبع، الرواية عن مثل تلك التساؤلات، لكن احداثها تدلل عليها، واحياناً، تسعى الى انارة لماذا يحدث ذلك، وخصوصا اشارتها الى ما يتعين “فعله” ولم “يفعّل”، وهو ما يجعل من إستفهام بطلة الرواية: ضمير الوطن ووجدانه النابض، عن بواعث عدم إمكانية حصول “مراجعة” لما حدث، ومحاولة تناسي ذلك بـ “صمت” مخجل، وحتى انكار ما حصل وعدم الاكتراث به. وهي تجيب مفسرة لنفسها في المقام الاول، عندما تحاور صديقتها وكاتمة اسرارها: “صمت. كلهم صمتوا، عفراء وليلي وصالح. كلهم صمتوا. كلهم صمتوا يا فاتن، كلهم صمتوا”! واذ، عرفنا ما “ترمز” اليه تلك الاسماء، فسيكون واضحا من هو المعني، اساساً، بذلك!ّ لا تفتأ رواية “بواب ضيقة” بث العديد من القراءآت المختلفة، التى يمكن لها ان تكون قائمة في متن الرواية، وبمقدور المتلقي ان يلاقيها طبقاً لنوعية ثقافته وقدرته على الفعل التأويلي، ما يجعل منها “حمالة اوجه”، يزيدها أهمية كبيرة، ويضفي علي قراءتها متعة وثراء. لكن عليّ، ايضاً، الاعتراف، باني لم اتطرق الى الجانب المهني في قراءة الرواية، التى آمل ان يتناولها النقاد المهنيين بشئ من التفصيل، يتناسب وحضورها البهي في المشهد الثقافي. في آخر كلمات الرواية، تكتب الروائية، نيابة عن البطلة ما يلي “.. ولي أن أكتب عن كل ما مرّ في حياتي منذ الاكتشاف الاول، الفرحة والحب، ولحظات اليأس، والبحث عن كل ما ضاع وتغّير في وطن ضاقت عليّ ابوابه” (ص. 240). ولكن، رغم ذلك “الضيق” (وربما بسببه)، فثمة آمال واعدة تضمنتها رواية سلوى جراح. وما حضور تلك المدن تحديدا، وما يمكن ان تشي به من “ثروات طبيعية”، وما يمكن ان ترمز اليه من ثراء، سوى احد تلك “الابواب الرحيبة” التى يشير اليها متن الرواية، المانحة للوطن، بابوابه الضيقة، ..فسحة من الآمل!.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.