تركيا في العراق : «ربط نزاع» لأربعة أهداف

i'[po[p

التبريرات التركية غريبة بعض الشيء، ومثيرة لكثير من الابتسامات الصفراء. الغرابة هي في اعتبار أنقرة أنها لحماية العناصر التركية التي تقوم بمهام التدريب. لماذا الآن، ولماذا لم تشعر أنقرة بالحاجة إلى ذلك قبل الآن، برغم أن الوضع الأمني لقوات البشمركة والقوات الأمنية العراقية، ولا سيما بعد تحرير سنجار، أفضل بكثير من قبل؟.من أين جاءت هذه المشكلة التي اسمها الموصل ؟ بهذا تساءل البعض في تركيا بعيد الضجة التي ظهرت في إثر دخول 1200 جندي تركي بخمس وعشرين دبابة إلى منطقة بعشيقة شمال الموصل، وقريباً من الحدود التركية. القوة التركية عدّها الأتراك قوة حماية لعناصر تركية تدرب قوات البشمركة وعناصر من «الحرس الوطني» المنتمي إلى جماعات سنية.أما الابتسامة الصفراء فهي في اعتبار أنقرة أنها ترسل مثل هذه القوة للمساهمة في محاربة تنظيم «داعش».والتساؤل هو هل تحارب تركيا «داعش» بعشرين دبابة؟ وإذا كانت أنقرة جادة فعلاً، فلماذا تذهب بعيداً ولا تحارب هذا التنظيم حيث يوجد على الحدود التركية – السورية مباشرة بين جرابلس وأعزاز؟ ولماذا لم تحاربه عندما كان موجوداً على امتداد الحدود السورية مع تركيا؟ وعندما كان مسلحو التنظيم يفتكون بعين العرب (كوباني) وتل أبيض ومناطق أخرى مباشرة على الحدود التركية في سوريا؟ ولماذا لم تقصف مواقع «داعش» في سوريا؟ ولماذا لا تضبط حدودها، وهي المتهمة حتى من أميركا وفرنسا وألمانيا بأنها مشرَّعة لها أمام عناصر هذه التنظيم؟.وهل طلب منها في الأساس أن تأتي إلى العراق لمحاربة التنظيم أو غيره؟ وكيف تسمح لنفسها بهذه الخطوة، التي أقل ما يقال فيها إنها لا تحترم سيادة الدول؟ ولماذا تقول إنها لن ترسل بعد الآن قوات إضافية إلى هذه القوة ما دامت تقول إنها تريد محاربة «داعش»؟ ألا يعني ذلك اعترافاً بأن القوة الأولى من 20 دبابة هي في وضع غير شرعي وقانوني ؟ لماذا ترسل تركيا مثل هذه القوة المقاتلة، ولو كانت صغيرة، ولا فعالية لها في أي معركة؟ في تقديرنا أن تركيا أرادت من وراء هذه الخطوة أن تقوم بـ«ربط نزاع» لتحقيق أكثر من هدف:
1 ـ المناخ السائد في تركيا، أو لدى أوساط «حزب العدالة والتنمية» على الأقل، أن التطورات في المنطقة تتدحرج في اتجاه توسيع حدود الدولة الكردية في شمال العراق، واحتمال توسعها واتصالها جغرافياً بالكيان الكردي المتشكل في شمال سوريا. وتشيع أوساط سلطة «العدالة والتنمية» أن إدارة إقليم كردستان بوارد أن تضم مدينة الموصل ومنطقتها بعد تحريرها من «داعش» إلى إقليم كردستان العراق، كما فعل الأخير بضم كركوك ومن بعدها سنجار بعد تحريرها.وفي ظل توازنات قوة غير متكافئة في منطقة الموصل، قد يلجأ الأكراد إلى هذه الخطوة التي تعتقد تركيا أنها تشكل خطراً على أمنها القومي.إرسال هذه القوة رسالة إلى أن لتركيا دوراً في تقرير مستقبل الموصل بعد تحريرها، وفي مستقبل الدولة الكردية، لذا فإن أنقرة تريد أن يكون لها دور في التحرير غصباً عن الجميع، لكي تنسب لنفسها فضلاً لا تريده في الأساس إلا لغايات مضمرة.
٢ ـ إن تركيا، مع تصاعد الحديث عن تحرير الموصل، تدرك أن الوضع في المنطقة العربية السنية في العراق، إن جاز التعبير، مقبل على تغييرات تتصل برسم خريطة جديدة للعراق، تكون المنطقة السنية هذه ذات وضع خاص، سواء اسمه حكم ذاتي أم فدرالية أم غير ذلك. وتريد تركيا أن تغتنم فرصة الانقسام العراقي لكي تفرض نفسها لاحقاً حامية وراعية للكيان السني الجديد. وهذا يستهدف النفوذ السعودي، والدور السعودي، قبل النفوذ الإيراني. أي في إطار التنافس والصراع على زعامة العالم السني في شقه العراقي، خصوصاً أنه لن يسمح لقوات «الحشد الشعبي» الشيعي في أن يدخل المناطق السنية في حال تحريرها، وإرسال القوة التركية الآن رسالة قوية في اتجاه السعودية على وجه الخصوص.وفي بُعد متصل بهذا، برز بيان الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي الذي ندد بدخول القوة العسكرية التركية إلى العراق. وهذه رسالة امتعاض سعودية ـ مصرية ـ إماراتية تصعّد من حدة التوتر بين الطرفين التركي والخليجي اللذين لا يجمع بينهما سوى اللحظة الزمانية والمكانية في سوريا، والعداء للرئيس السوري بشار الأسد، فيما هما مختلفان على كل القضايا الأخرى.
3 ـ جاء إدخال القوة التركية بعد التوتر مع كل من روسيا وإيران جراء إسقاط الطائرة الروسية في 24 تشرين الثاني الماضي. ولقد اختارت أنقرة منطقة لا يحلق فوقها الطيران الروسي، كما لا يستطيع الجيش العراقي الوصول إليها، لا براً ولا يستطيع قصفها جواً لعدم وجود طائرات حربية حقيقية لدى سلاح الجو العراقي. وهو ما يجعل تركيا بمنأى عن الاستهداف العملياتي المباشر. أما استهدافها من البشمركة فليس وارداً، بسبب العلاقة الخاصة التي تربط «رئيس» إقليم كردستان مسعود البرزاني بتركيا ورجب طيب أردوغان بالذات بسبب المصالح النفطية، كما العداء المشترك بينهما لزعيم «حزب العمال الكردستاني» المعتقل عبدالله أوجلان. لذا فإن تركيا تريد أن توجه رسالة إلى إيران وروسيا بأنها حاضرة، وذات نفوذ ودور في منطقة أخرى غير سوريا، بل ربما قادرة على أن تمارس فيها دوراً أكبر من سوريا جراء العلاقة مع سنة العراق والبرزاني. وهو ما يدفع موسكو وطهران، بنظر أنقرة، لتأخذ في الاعتبار عنصر التوازن التركي هذا، وبالتالي التخفيف من حدة الحملة الروسية والإيرانية التي تستهدف تركيا.
4 ـ إلى هذه الأهداف الثلاثة، فإنه يجب ألا يغيب عن البال أن الموصل لا تزال حاضرة في العقل السياسي التركي منذ أن ضُمت رسمياً إلى العراق، وفقاً لاتفاقية عام 1926 بين تركيا والعراق وبريطانيا. والكل يتذكر كيف كانت مسألة الموصل تُنبش من الأرشيف، وتثار على المستوى الشعبي من وقت لآخر كما حصل أثناء حرب الخليج الثانية في عهد الرئيس «العثماني الأول» الراحل طورغوت اوزال، وكما يحصل الآن في عهد الرئيس «العثماني الثاني» رجب طيب أردوغان. ولا يغيب عن بال تركيا هذا التطلع حيث في ظل الفوضى الشرق أوسطية والحديث عن تغيير الخرائط، فربما تسنح الفرصة وتستطيع أنقرة اقتطاع الموصل ومحيطها على الأقل لتضمه إلى الجغرافيا التركية. ومع أن هذا الاستنتاج يبدو للبعض مبالغاً فيه، وربما هو كذلك إلى حد ما، لكن استمرار حضوره في العقل التركي والإعلام التركي يجب ألا يُهمَل من حسابات الآخرين مهما كان هذا التطلع واهماً على أرض الواقع.
بدخول القوة التركية إلى شمال العراق تؤكد أنقرة مرة أخرى انتقالها من سياسة القوة الناعمة إلى سياسة القوة الخشنة، ومن ادّعاء حماية سيادتها ولثوان بوجه الطائرات الروسية إلى انتهاك سافر ووقح للسيادة العراقية، وعلى الملأ. وإذا كان من مسؤولية واضحة تقع على تركيا، فإن المسؤولية الأكبر تقع على الحكومة العراقية التي لا تزال عاجزة عن حماية سيادة أراضيها ومتواطئة في التماس سبل تأسيس جيش قوي خارج الارتهان للإملاءات الأميركية، ومقصرة عن إقامة نظام سياسي واجتماعي خارج الفساد والعدالة وشراكة كل المكونات.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.