بدون عنوان

إنَّ تصاعدَ المطالبات الشعبية حول ضرورة توجه الحكومة العراقية صوب إعلان المقاطعة الاقتصادية مع تركيا على خلفيةِ انتهاك قواتها العسكرية السيادة العراقية، يمكن أنْ يكون عاملاً مشجعاً لإدارةِ الصناعة العراقية، ولاسِيَّمَا مفاصل القطاع الخاص للنهوضِ بالصناعةِ الوطنية، والشروع بتأهيلِ الإنتاج المحلي وتطويره، فضلاً عن زيادةِ المعروض من السلعِ والبضائع، التي يحتاجها المستهلك بقصدِ سد العجز في السوقِ المحلي، فيما لو أقدمت الحكومة العراقية على مقاطعةِ المنتجات التركية في مواجهةِ الصلف التركي، بوصفه أنسب الخيارات التي ربما تلجأ إليها حكومتنا المعتمدة في اتخاذِ قراراتها على التوافقِ. وضمن هذا السياق من المهمِ الإشارة إلى أنَّ فرصةَ الرجوع بالصناعةِ العراقية إلى سابقِ عهدها كانت حاضرة منذ بداية الأزمة السورية، التي حفلت بفقدانِ المنتجات السورية من السوقِ المحلي، فضلاً عن ارتفاعِ أسعار المعروض فيها من سلعٍ وبضائع أجنبية، إلا أنَّ هذه الدعوةِ لم تلقى حينئذٍ آذناً صاغية من قياداتِ البلاد الإدارية.
يمكن القول إنَّ الصناعةَ العراقية كانت إلى عهدٍ قريب، تتميز محلياً وإقليمياً بقدراتٍ تنافسية في كثيرٍ من الصناعاتِ المعروفة، مثل الصناعات الجلدية والقطنية والكهربائية والدوائية وغيرها، ما يؤكد جدارة المنتج الوطني بمنافسةِ البضائع والسلع الموردة إلى أسواقِنا، التي يندر أنْ تجدَ في مخازنِها ما يحمل عبارة ( صنع في العراق ). وليس من شك في أنَّ إعادةَ الاعتبار إلى الصناعةِ العراقية يتطلب تشريع الحكومة حزمة قرارات تتعلق بإصلاحاتٍ قانونية وإدارية من شأنِها المساهمة بحمايةِ المنتج المحلي وتفعيل القوانين المنظمة للنشاطِ الاقتصادي في العراق، ولاسِيَّمَا الداعمة للقطاعِ الخاص والنهوض بعمومِ مفاصل القطاع الصناعي الوطني مثل قانون حماية المستهلك، قانون حماية المنتج الوطني وقانون التعرفة الجمركَية، في محاولةٍ جادة لإحلالِ المنتجات المحلية بوفرةِ في السوقِ المحلي، إلى جانبِ تقليص الحاجة إلى الانتاجِ الأجنبي؛ بالنظرِ لعدمِ إمكانية المنتج المحلي الاستمرارِ في الصمودِ أمام تزايد كلف الانتاج والمنافسة الكبيرة من منتجاتِ دول أخرى مثل الصين. إذ أنَّ زيادةَ الناتج المحلي الإجمالي، يفرض على القياداتِ الإدارية اللجوء لإجراءاتٍ عديدة، في القلبِ منها العمل على إيجادِ بيئة ملائمة لتنشيطِ الحركة الصناعية في البلادِ وجذب المستثمرين إليها من خلالِ الركون إلى خططٍ علمية منظمة بمقدورِها حلحلة الصعوبات والمعوقات، التي تواجه عملية إنشاء صناعة وطنية متميزة تلبي احتياجات المستهلك، وتصدر الفائض إلى الأسواق الأجنبية.
من نافلةِ القول إنَّ المستهلكَ في العراق، سيساهم بدعمِ المنتج المحلي تعبيراً عن شعوره بالمواطنة، التي تقضي بوقفةٍ وطنية حيال ما تتعرض له بلادنا من تحدياتٍ مصيرية، ساهمت في جزءٍ منها سياسة الإغراق السلعي، التي تسببت بهشاشةِ اقتصادنا الوطني منذ عام 2003 م، بوصفِها من العواملِ التي ساهمت بفاعليةٍ في إطلاقِ رصاصة الرحمة على فعالياتِ القطاع الخاص العراقي، الذي كان نكوصه وأفول نشاطاته من أبرزِ العوامل المعجلة بتهشيمِ العمود الفقري للصناعةِ الوطنية، التي ماتزال تعاني الإهمال في ظلِ فوضى الرؤى الاقتصادية خلال المدة الماضية، التي أفضت إلى زيادةِ مصاعبها وضياع فرص تطورها، بالإضافةِ إلى استمرارِ معاناتها من مخلفاتِها على الرغمِ من كونِها من النشاطاتِ الاقتصادية الرائدة في المنطقة.
إنَّ حيثياتَ واقع الاستهتار التركي، تفرض على القياداتِ الادارية في بلادِنا الوقوف عند نتائجِ هذه الأزمةِ بجديةٍ من أجلِ استثمارها بواقعيةٍ لتحليلِ واستخلاص ما أفرزته بعض التجارب، التي انتعشت مع أيامِ المرحلة الانتقالية في بلادنا. إذ لابد من العملِ بشكلٍ مخطط على تهيئةِ الظروف الملائمة لاستعادةِ صناعتنا بشقيها العام والخاص بريقها بفعلِ الحاجة إلى تلبيةِ متطلبات السوق المحلي وسد النقص من البضائعِ والسلع في مثلِ هذه الأزمات، التي تلزم حكومة البلاد وشعبها اتخاذ مواقف من شأنِها حفظ هيبة البلاد وصيانة كرامة شعبها، حيث أنَّ لجوءَ التاجر العراقي إلى المنتج المحلي أصبح أمراً حاكماً، ما يلزم الحكومة إيلاء الصناعة الوطنية الدعم الذي يتناسب مع أهميتها في تدعيمِ الاقتصاد الوطني عبر سياسة فاعلة لتطويرِها، ولاسِيَّمَا الصناعات الصغيرة والمتوسطة لسدِ حاجة السوق المحلي من المصانعِ الوطنية بدلاً من الاعتمادِ على ما يورد الينا من مختلفِ دول العالم. وهو الأمر الذي سيفضي إلى تعزيزِ معدل النمو الاقتصادي والمساهمة بتنويعِ مصادر تكوين الدخل، فضلاً عن عدمِ الركون بشكلٍ رئيس إلى الإيراداتِ المتحققة من بيعِ النفط الخام في مهمةِ بناء الدخل، تعبيراً عن الرغبةِ في إنعاشِ الاقتصاد الوطني.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.