معرفة الزمان وأهله.. نجاح لأمر الدين والدنيا

13

يقسم الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بالزمان، كما في قوله تعالى:”وَالْعَصْرِ ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر”سورة العصر،الآية 1 ـ3 ،”وَالضُّحَى والليل إذا سجى.” سورة الضحى،الآية 1ـ2،وفي قوله تعالى:”وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَر” سسورة المدثر ،الآية 34. وعن أمير المؤمنين(عليه السلام):”حسب المرء..من عرفانه،علمه بزمانه”.وما تلك الأقسام بالزمان إلّا للإشارة إلى أهميَّة الزمان. والزمان مؤلّف من ماض وحاضر ومستقبل، ومن الضروريّ للإنسان أن يعرف الماضي أي التاريخ الذي مضى على الناس أفراداً وجماعات؛ ليعتبر ويتّعظ، فيأخذ بحسنات الماضي ويترك سيئاته وضلاله وهفواته. يقول أمير المؤمنين(عليه السلام) في وصيّته للإمام الحسن (عليه السلام):” أي بُنيّ إنّي وإن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم، وفكّرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتّى عدت كأحدهم. بل كأنّي بما انتهى إليّ من أمورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضرره، فاستخلصت لك من كلّ أمر نخيله وتوخّيت لك جميله، وصرفت عنك مجهوله، ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر ومقتبل الدهر..”.
معرفة الحاضر والمستقبل
لذا فمن المهمّ للإنسان أيضاً أن يعرف حاضره أي عصره وزمانه الذي يعيش فيه، فلكلّ عصر أهله وخصائصه وضروراته ومتطلّباته وأولويّاته، وهي تنطلق من المتغيرات الاجتماعية والفكرية والثقافية والسياسية الطارئة على مفاصل الحياة. فالمؤمن الواعي هو الذي يفهم أهل عصره وضروراته ومتطلّباته، ويدرك المشاكل والأولويّات..
أمّا أولئك الذين لا يدركون هذه المسائل،أو لا يتفاعلون معها بسبب عدم انتمائهم إلى عصرهم،فهم الهامشيون المنعزلون الذين يحسبون أنّهم يعيشون في صحراء منعزلة فلا يقدرون على التأثير ولا على المعالجة، بل يقفون دوماً متأسّفين ومتحسّرين وشاكين ومشتبهين ومستسلمين.
وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين(عليه السلام):”حسب المرء.. من عرفانه، علمه بزمانه” وعنه (عليه السلام)أيضاً:”أعرف الناس بالزمان، من لم يتعجّب من أحداثه”،وعنه (عليه السلام):”مَن أمنَ الزمان خانه،ومن أعظمه أهانه”.و في وصيته(عليه السلام) لولده الإمام الحسن(عليه السلام):”يا بُنيّ إنّه لا بدّ للعاقل من أن ينظر في شأنه، فليحفظ لسانه، وليعرف أهل زمانه”.وعن صادق القول والعمل الإمام الصادق (عليه السلام):”العالم بزمانه،لا تهجم عليه اللوابس”.واللوابس تعني الشبهات.ومعرفة العصر الحاضر تفيد في قراءة المستقبل وفي صناعته، فإنّنا بصناعتنا للحاضر نصنع مستقبل أولادنا وأحفادنا.
ولذا فمن أسباب تفرق المسلمين إلى فرق كما في حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):”تنقسم أمتي الى بضع وسبعين شعبة كلها في النار إلا واحدة”،هو عدم معرفتهم بما يحتاجون في ذلك الزمان ومن يتبعون لأنهم خالفوا أمر الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر الولاية المعروفة من خلال حديث الغدير الذي لا مجال لتأويله؛ فقد فندت كل التلبيسات التي لبست عليه وأتضح الأمر من جمع الناس في غدير خم، وليس حديث الغدير فحسب بل حديث السفينة والسفينة وعدد غير قليل من الأحاديث الأخرى،ولو أنهم تجمعوا على كلمة واحدة وهي الولاية والبيعة لأمير المؤمنين(عليه السلام) لما وصلنا اليوم إلى ما نحن فيه من اقتتال بين المسلمين الذين يكفر بعضهم بعضاً ،ويقتل بعضهم بعضاً بغير وجه حق،وأكثر من نالهم سهم الجور والظلم على مدى الزمان هم أهل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم من بعدهم،كذلك وعلى سبيل المثال ما ضاعت فلسطين إلا لأن أهل ذلك العصر لم يقرؤوا حاضرهم وماضيهم بشكل صحيح،لذلك لم يصنعوا مستقبل أولادهم وأحفادهم بشكل صحيح.
من هنا علينا أن لا نضع الحقّ على الزمان في فشلنا وتراجعنا وانهزامنا يقول تعالى:”إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِم” سورة الرعد،الآية 11. وعن الريّان بن الصلت: أنشدني الرضا (عليه السلام) لعبد المطّلب:
يعيب الناس كلّهم زمانا
وما لزماننا عيب سوانا
نعيب زماننا والعيب فينا
ولو نطق الزمان بنا هجانا
وإنّ الذئب يترك لحم ذئب
ويأكل بعضنا بعضاً عيانا
لبسنا للخداع مسوك طيب
وويل للغريب إذا أتانا
علم الأنبياء والأئمّة”ع” بزمانهم
كان الأنبياء(عليهم السلام) جميعهم يدركون متطلّبات عصورهم،فيقودون مجتمعاتهم على أساس ذلك. وإن نسخ الأديان الماضية من الأنبياء من أولي العزم أفضل دليل على إثبات دور الزمان في القيادة،حسب رؤية الأديان السماوية كلها.
إنّ معرفة العصر في الحقيقة أحد العناصر الأصلية للوعي السياسيّ والاجتماعيّ. وكلّما ازدادت معرفة القائد بشعبه وأدرك مطالبه وحاجاته المادية والمعنوية بنحو أدقّ وأحاط بنقاط قوّته وضعفه كان أنجح.ولا جرم أنّ الأنبياء (عليهم السلام) جميعاً كانوا يتّسمون بهذه الصفة.
فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام):”ما كلّم رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) العباد بكنه عقله قطّ،قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):”إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم”.
وتدلّ دراسة سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) – من منظار معرفته بزمانه وإدراكه لمتطلّبات عصره – على أنّه نموذج بارز للقائد العارف بزمانه،يتلوه أمير المؤمنين والأئمّة الأطهار(عليهم السلام أجمعين).
وفي عصرنا الحاضر الوليّ الفقيه هو من يتولّى قيادة الأمّة فهو العارف بزمانه فلذلك لا تهجم عليه اللوابس،فينبغي لنا إطاعته ففي طاعته هدي من الضلال وأمان من الفتنة ومن كيد الأعداء.
يقول الإمام الخمينيّ(قدس سره) في دور معرفة الزمان في هداية الناس وقيادتهم،وفي ضرورة الاطّلاع على متطلّبات العصر بوصفه شرطاً للاجتهاد:” الزمان والمكان عنصران حاسمان في الاجتهاد. والمسألة التي كان لها حكم في الماضي ربّما يكون لها حكم جديد في العلاقات التي تحكم الشؤون السياسية والاجتماعية والاقتصادية لنظام من الأنظمة. أي: إن المعرفة الدقيقة للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تجعل الموضوع الأوّل الذي لم يختلف عمّا كان عليه في الماضي من حيث الظاهر موضوعاً جديداً يتطلّب حكماً جديداً لا محالة.
وينبغي للمجتهد أن يلمّ بقضايا عصره.ولا يستسيغ الناس والشباب بل حتّى العوامّ أن يقول المرجع والمجتهد: لا رأي لي في القضايا السياسية،فالإطّلاع على كيفية التعامل مع الاقتصاد العالميّ،ومعرفة ضروب السياسة والسياسيين ومعادلاتهم المفروضة،وإدراك الموقع الذي يحتلّه النظام الرأسماليّ والشيوعيّ في العالم، والتعرّف على نقاط قوّتهما وضعفهما إذ هما اللذان يحدّدان استراتيجية التسلّط على العالم، كلّ ذلك من صفات المجتهد الجامع”.
من أسباب نجاح غير المؤمنين
إنّ هناك أسباباً لتقدّم ونجاح وانتصار بعض الكفّار والفاسقين في الحياة الدنيا،وتأخّر بعض المؤمنين،ومن هذه الأسباب أنّ الطائفة الأولى رغم خلوّهم من عنصر الإيمان يتحلّون – أحياناً – ببعض نقاط القوّة الّتي يحقّقون في ظلّها ما يحقّقون من المكاسب،ويحرزون ما يحرزون من النجاحات،فيما تعاني الطائفة الثانية من نقاط ضعف توجب تأخّرهم وانحطاطهم. فنحن نعرف أشخاصاً – رغم انقطاعهم عن الله – يتّسمون بالجديّة الكبيرة في أعمالهم،ويتحلّون بالاستقامة والعزم، والتنسيق والتعاون فيما بينهم،والمعرفة بقضايا العصر ومتطلّباته،ومقتضياته ومستجدّاته،ومن الطبيعيّ أن يحقّق هؤلاء مكاسب كبيرة ويحرزوا انتصارات ونجاحات في حياتهم المادية،وما هم في هذا الأمر – في الحقيقة – إلّا مطبقون لتعاليم الدين وبرامجه من دون إسنادها إلى الدين وإعطائها صفته وصبغته.
وفي المقابل، هناك أشخاص متديّنون أوفياء للعقائد الدينية،لكنّهم بسبب غفلتهم عن تعاليم الدين الحيوية يعانون من الجبن والإحجام،ويفتقرون إلى الشهامة والاستقامة ويفقدون عنصر الثبات والاستمرار والاتّحاد والتعاون، وقراءة العصر والواقع، وطبيعيّ أن يصاب هذا الصنف من الناس بإخفاقات متلاحقة وهزائم متتابعة. ولكنّ هذه الهزائم والإخفاقات ليست أبداً بسبب إيمانهم بالله تعالى،بل هي بسبب ما بهم من نقاط الضعف،وما بأنفسهم من عوامل الهزيمة، وموجبات السقوط والإخفاق.
إنّهم يتصوّرون (وبالأحرى يظنّون) بأنّهم سيتنصرون بمجرّد إيمانهم بالله وانتسابهم إلى الدين في جميع المجالات، وينجحون في جميع المواقف،في حين جاء الدين بسلسلة من البرامج والمناهج العملية الحيوية للتقدّم والنجاح في الحياة، يستلزم تجاهلها الفشل والسقوط والهزيمة. إنّ لكلّ شيء سبباً،ولكلّ نجاح مفتاحه الخاص،ووسيلته الخاصة،وقد أتى الدين بكلّ ذلك،وبيّنه في تعاليمه وتوصياته،فلا يمكن أن يتحقّق نجاح بغير هذه التعاليم وبغير هذه الوسائل،ومن هذه التعاليم المهمّة المعرفة بالزمان.فالنجاح في الحياة والانتصار يقتضيان الوعي ولا يكفي الإيمان الساذج البسيط.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.