تجارة الموت في العراق

خبر صحفي يعكس أزمة حقيقية تتجاوز بأهميتِها التصريحات الخجولة لبعضِ المسؤولين الخائبين حول الغزو التركي لشمالي العراق، حشره محرر صفحة المحليات بأحدِ صحفنا المحلية في زاويةٍ ضيقة، تكاد لا تحظى باهتمامِ القارئ أو إثارة فضوله للاطلاعِ على مضامينه.
تشير خلاصة الخبر موضوع بحثنا إلى إعلانِ دائرة صحة بغداد الكرخ إغلاقها معملين أهليين لصنعِ الأدوية في منطقةِ أبي غريب شمالي العاصمة بغداد؛ بالنظرِ لقيامِ إدارتيهما بإنتاجِ وجبات مكررة من الأدويةِ بأرقامٍ وتواريخ إنتاج وانتهاء خاصة بوجباتِ إنتاج سابقة، جرى اخضاعها لإجراءاتِ المركز الوطني للرقابةِ والبحوث الدوائية. وأدهى من ذلك اقتصار إجراءات الدوائر المعنية على غلقِ المعملين لمدةِ أسبوعين متتالين، بالإضافةِ إلى تحذيرِ إدارتي المصنعين بمضاعفةِ مدة غلق معمليهما، فضلاً عن فرضِ غرامة مالية في حالِ تكرار ذات المخالفة، مع العرضِ أنَّ الغرامةَ المالية تقدر بنحوِ مئة ألف دينار عراقي بحسبِ المتخصصين بشأنِ مكافحة الجريمة الاقتصادية، الأمر الذي يفرض على الحكومة العراقية أعداد قانون جديد بمقدوره الحد من تفشي ظواهر الغش الصناعي والجرائم الاقتصادية!!.
لا مغالاة في القولِ إنَّ مشكلةَ الدواء في العراق تعد في الوقتِ الحاضر من أكبرِ المشكلات تعقيداً وأكثرها خطورةً بفعلِ ضعف سلطة القانون، التي بوسعِها محاسبة التجار المتورطين باستيرادِ الأدوية، فضلاً عن مجموعةِ مفاصل الجريمة المعنية بترويجِ مصائد الموت التي ما تزال تفتك بالفقراءِ والمعوزين بالاستنادِ إلى التشريعاتِ القانونية النافذة، حيث لم تفلح الأجهزة المختصة حتى الآن في كبحِ جماح حركة تهريب الأدوية الفاسدة ومقاضاة المجاميع الضالة التي جرى ضبط الأدوية الفاسدة بحوزتِها أو أثناء ترويجها هذه السموم.
من المهمِ التنويه هنا إلى أنَّ من جملةِ أسباب محنة تفاقم مشكلة الأدوية منتهية الصلاحية الرئيسة هو رفض الشركات المنتجة للأدويةِ قبول مرتجعات الأدوية من الصيدليات، الأمر الذي ساهم بتشجيعِ بعض ضعاف النفوس على إحالةِ الأدوية منتهية الصلاحية إلى معامل إنتاج الأدوية الفاسدة التي تمارس نشاطها الإجرامي بعيداً عن الرقابة، لأجل أعادةِ تعبئتها بأغلفةٍ جديدة مصنعة محلياً تحمل تواريخ حديثة أو باستغلالِ العلامات التجارية المعروفة لأجلِ تسهيل عملية ترويجها في الصيدليات أو على أرصفةِ الشوارع، إلا أنَّ ضعفَ المحاسبة وعجز الجهات المعنية عن المراقبة، أفضى إلى تمادي جهات على ما يبدو لا أحد بإمكانه إيقافها في العملِ بتجارةِ الأدوية منتهية الصلاحية أو المغشوشة التي تدخل البلاد عبر منافذ عديدة وبمختلفِ الطرق، بالإضافةِ إلى ما يجري إعداده محلياً في المنازلِ السكنية أو المحال التجارية أو في معاملٍ غير مرخصة من وزارةِ الصحة، ولا تتوفر فيها الشروط الصحية والقانونية لتأسيسِ معامل إنتاج الأدوية، تمهيداً لترويجِها عبر شبكات إجرامية محترفة تتاجر ببيعها في السوقِ السوداء.
في ظرفٍ عصيب تعيشه البلاد حالياً، يتناخى الشرفاء من أبناءِ شعبنا المجاهد لمقارعةِ العدوان، فيما يمارس الجبناء أخطر أنواع الإرهاب، التي من شأنِها قتل المرضى، وإعدامِ الطفولة، ودمار مستقبل البلاد عبر تجارة الموت، التي تؤدي إلى المساهمةِ بتفكيكِ أواصر الجبهةِ الداخلية، الأمر الذي يفرض على الأجهزةِ الأمنية التعامل مع العابثين بحزمٍ ومهنية لغرضِ الحد من تمادي أفعالهم الشريرة الساعية لزعزعةِ الأمن والاستقرار، حيث لا يمكن أنْ يكون الإنسان في العراق رخيصاً لأجلِ سواد عيون الخائبين.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.