العراق والتدمير الذاتي

د. عبد الخالق حسين

كلنا يعرف أن هناك مخططات وضعتها قوى خارجية متمثلة بالسعودية وقطر وتركيا، وبمباركة أمريكا لتدمير العراق، ولكن يجب أن نعرف أيضاً أن هذه القوى الخارجية لا تستطيع تنفيذ مخططاتها إلا بواسطة ومساعدة أبناء العراق أنفسهم. يدعي العراقيون أنهم “مفتحين باللبن، ويقرؤون الممحي وما بين السطور”، بل وحتى يدعون أنهم أذكى الشعوب، ولذلك تجد عندهم عبارات تحقيرية بحق الشعوب الأخرى كقولهم: (قابل آني هندي..قابل آني بلوشي، أو عجمي…الخ). ولكن لو توخينا الحقيقة والصراحة أن العراقيين هم أكثر من يستجيب للمخططات الأجنبية لتدمير بلادهم، وأكثر الشعوب في تصديق الأكاذيب والشائعات المسمومة، وتعرضاً للخديعة والتضليل، وأكثر من يلحق أشد الأذى بأنفسهم وبلادهم. حقاً ما قاله العلامة علي الوردي في هذا الخصوص: “كلما ازداد الإنسان غباوة اعتقد أنه أذكى من غيره”.
ولهذا التخلف والكفر بالوطنية أسبابه، فخلال أربعة عقود من حكم الفاشية العربية (1963-2003) تعرض الشعب العراقي إلى التجهيل المتعمد، وتفتيت نسيجه الاجتماعي، والحروب والحصار، فحصل الانهيار الحضاري والذي عادة يرافقه انهيار فكري وثقافي وأخلاقي، وإعادته إلى الوراء لقرون، وإحياء البداوة وتمجيدها، وانتزاع شعوره بالانتماء إلى العراق، وتدمير هويته الوطنية، واستبدالها بالهوية القبلية والطائفية، وإذلاله حتى صار العراقي مستعداً للتعاون مع الأجنبي لاحتلال بلاده، وما ضلوع مسعود بارزاني والأخوين النجيفي مع الاحتلال التركي لأراض عراقية إلا دليل على صحة ما نقول. بل ونجد قياديين بارزين مثل أياد علاوي وغيره يتعاطف مع العدو التركي المحتل ضد سيادة الدولة العراقية. هذه الحالة الشاذة لا نجدها إلا بالعراق.
ونتيجة لهذا الإذلال والانهيار الحضاري تفشت أمراض وعقد نفسية مثل الشعور بالدونية، وعقدة النقص والانحطاط خاصة لدى شريحة واسعة من الكتبة والمتطفلين على الثقافة والصحافة، فتراهم يدبجون المقالات، بأسمائهم الصريحة، أو متخفين وراء أسماء مستعارة، في كيل الأكاذيب ونشر الشائعات السامة، والتشويش والبلبلة الفكرية، وتدمير ثقة الشعب بنفسه، وإرباك السلطة، والحط من قدر بلادهم ودولتهم، وعلى سبيل المثال، تم خلال الأيام الماضية تعميم صورة بعنوان: (معصومة ومعصوم)، نشاهد فيها الرئيس الفرنسي يستقبل بانحناءة واحترام ممثلة إيران التي تدعى (معصومة)، بمناسبة عقد المؤتمر العالمي لتغير المناخ في باريس، وأدعى ناشر الصورة أن الرئيس الفرنسي رفض استقبال الرئيس العراقي الدكتور فؤاد معصوم استهانة بالعراق!! ومع الأسف نالت هذه الصورة والتعليق تعميماً واسعاً من قبل العراقيين للحط من سمعة دولتهم مصدقين وشامتين بها ومهللين لها. بينما الحقيقة أننا شاهدنا في تقرير آخر استقبال الرئيس الفرنسي للرئيس العراقي وكلاهما جالسين على أريكة واحدة يتبادلان الأحاديث.
ولم يكتفِ هؤلاء بنشر هذه المواد التسقيطية، بل راح البعض يطالب بعدم مشاركة العراق في هذا المؤتمر الدولي المهم، بحجة أن المشاركة كلفت العراق نحو ربع مليون دولار!! وهذا كذب يذكرنا بالفرية التي أشيعت قبل عامين عندما قام السيد نوري المالكي مع وفد بزيارة واشنطن، أثيرت ضجة كبرى من قبل الإعلام المضاد أن الزيارة كلفت العراق نحو مليونين دولار، بينما أكد المالكي في مقابلة تلفزيونية أن التكاليف لم تتجاوز الستين ألف. فلو تم تنفيذ طلبات هؤلاء بعدم المشاركة في المؤتمرات والمحافل الدولية، وتبادل الزيارات الرسمية، لصار العراق بلداً معزولاً عن العالم كحالة كوريا الشمالية، وعندئذ سيكتبون أن العراق دولة منبوذة ومعزولة عن العالم “بفضل هؤلاء الحكام الطارئين”. فنحن أمام حالة أشبه بقصة جحا وابنه مع حمارهما!! “رضاء الناس غاية لا تدرك”. يبدو أنه حتى المثقفين من الانتلجنسيا والأكاديميا العراقية والعربية لم يسلموا من التصديق بالإعلام المضلل والإشاعات المسمومة ضد العراق وساسته، وهم يستقبلون الافتراءات والأخبار السيئة بترحاب، ويساعدون على تعميمها. وهكذا نحن أمام سيل من الإعلام المضاد، المتفنن على التسقيط والتشهير والقذف واختلاق السلبيات والفضائح، وإذا ما حاولت تنبيههم بزيف هذه الأخبار، وتوخي الدقة، فتهمة الارتزاق جاهزة لترمى في وجهك بأنك من مثقفي السلطة.
لقد لجأ هؤلاء إلى أخس الوسائل دناءة وحقارة في تشويه سمعة العراق، وآخرها كانت تلك المقابلة المفبركة التي ادعى كاتبها المتخفي وراء اسم مستعار (فلاح القريشي)، أنه أجرها مع السياسي الكردي الدكتور محمود عثمان بعنوان (القيادي الكردي المستقل محمود عثمان يفتح النار على شخوص المشهد السياسي العراقي). وفي هذه المقابلة المزعومة نقرأ أحط الأوصاف والافتراءات والبذاءات على لسان الدكتور محمود عثمان بحق جميع السياسيين العراقيين ومكونات الشعب العراقي، عدا شخص واحد كال له المديح وهو الشيخ جلال الدين الصغير. وكما هو المتوقع في هذه الحالات، نال السيد نوري المالكي رئيس الوزراء السابق، والدكتورة حنان الفتلاوي، عضو البرلمان، حصة الأسد من الافتراءات والتسقيط والتشهير.
والمؤسف أن هذه المقابلة المفبركة نالت رضا وإعجاب شريحة واسعة من الناس بدليل أني استلمتها أكثر من عشر مرات وبعناوين مختلفة، حسب موقف الناشر أو الموزع من المستهدَفين بهذه “التصريحات” المزعومة، وعلى سبيل المثال، في صحيفة البينة الجديدة بعنوان: (القيادي الكردي المستقل محمود عثمان يفتح النار على شخوص المشهد السياسي العراقي)، أو في موقع آخر: (محمود عثمان: زرت إسرائيل مرتين برفقة الملا مصطفى بارزاني ومسعود زارها ثلاث مرات ومسرور كثير السفر إليها)، أو مرسل آخر (محمود عثمان يفضح المالكي)… الخ. وسألني أحد الأخوة: (بعد كل هذه الفضائح التي ذكرها محمود عثمان هل مازلت تدافع عن المالكي ؟.
لقد أكدت مراراً أني لم أدافع عن المالكي أو غيره ولكني أحترم عقلي لذا أرفض الأكاذيب، وأرى من واجب المثقف حماية الرأي العام من التضليل. فعلى سبيل المثال، لم أكن يوماً متعاطفاً مع أسامة النجيفي وأمثاله، ولكن عندما يبعث لي شخص تقريراً يقول فيه أن النجيفي يملك 45 مليار دولار، أرى من واجبي أن أقول له أنت تكذب، وهذا لا يعني أني أدافع عن النجيفي، بل احتراماً لعقلي لأني أرفض أن أصدق بالأكاذيب. فتجريم النجيفي لا يحتاج إلى الكذب إذ يمكن محاسبته من خلال أفعاله وارتباطاته المشبوهة بحكومات تدعم الإرهاب في العراق وسوريا، وخاصة تآمره الأخير مع تركيا في احتلال أراض عراقية…الخ.
والجدير بالذكر أن كتاب الشائعات والأكاذيب أصحاب معرفة وتخصص في سايكولوجية المجتمع فيعرفون كيف يسوِّقون أفكارههم وافتراءاتهم بحيث تكون قابلة للتصديق خاصة من قبل المجتمع العراقي المعروف اصلاً باستعداده النفسي وتقبله للإشاعات المسمومة، وكلما كانت هذه الشائعات والافتراءات أكثر سوءا وشناعة كانت أكثر تقبلاً لديهم. وفي هذا الخصوص يقول المفكر الإيطالي المعاصر، أمبرتو إيكو عن (نظرية المؤامرة) وبث الشائعات، أنه إذا تريد أن تنشر كذبة فلا بد وأن تبدأ ببعض الحقائق المعروفة، ومن خلالها تسوِّق الكذبة ليصدقها الناس وإلا تفشل. وهذا بالضبط ما اتبعه ملفق المقابلة مع الدكتور محمود عثمان. ولذلك لقيت “التصريحات” هذه انتشاراً واسعاً، كما وتبرعت عدة صحف ومواقع بإعادة نشرها، بحيث لا نعرف حتى اسم الصحيفة الأولى التي أجرت معه المقابلة.
وأخيراً، (طلعت الشمس على الحرامية) كما يقول المثل، فقد نشر الدكتور محمود عثمان بياناً نفى فيه نفياً قاطعاً معرفته بالمدعو فلاح القريشي، وقال أنه لم يلتق به ولم يجري معه أية مقابلة… الخ. أدرج النفي كملحق في ذيل هذا المقال. ولكن الغريب والمثير للدهشة أن البعض أبدى استياءه وانزعاجه من هذا النفي، بل وراح يؤكد على صحة كل ما جاء في المقابلة المزعومة.
يقول الفيلسوف الألماني هيغل: (الشعب الذي يصدق بالأكاذيب يستحق أن يفقد حريته).

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.