التظاهرات تبلغ أوجها في 27 كانون الثاني 1948 لإسقاط الحكومة

اتنتاا

وبعد ان تأزمت الامور، دعا الامير عبد الاله الى اجتماع في البلاط الملكي، حضره قرابة خمسة وعشرين سياسيا، كان في مقدمتهم السيد محمد الصدر وجميل المدفعي وحكمة سليمان وحمدي الباجه جي وارشد العمري ونصرة الفارسي وجعفر حمندي ومحمد رضا الشبيبي وعبد العزيز القصاب وصادق البصام وعبد المهدي ومحمد مهدي كبة وكامل الجادرجي وعلي ممتاز الدفتري ونقيب المحامين نجيب الراوي، اضافة الي هيئة الوزارة ورئيس الوزراء بالوكالة جمال بابان، وقد دافع البعض عن الاتفاقية، وشجبوا الاضرابات والتظاهرات، واسندوها الى الحزب الشيوعي، فيما وصف البعض الاخر هذه التظاهرات بانها وطنية وقومية. ثم صدر بيان في ختام الاجتماع، جاء فيه ان المجتمعين، وقد استعرضوا المعاهدة العراقية البريطانية، واكدوا ضرورة رفضها، وقالوا انها لاتحقق اماني البلاد ، وليست اداة صالحة لتوطيد دعائم الصداقة بين البلدين، وان صاحب السمو الملكي الوصي وولي العهد، يعد الشعب بانه سوف لاتبرم اية معاهدة لاتضمن حقوق البلاد وامانيها الوطنية. وقد قوبل هذا البيان بسرور بالغ لا من الاهلين فحسب بل من مختلف الاوساط الشعبية والاحزاب السياسية، كما تبع ذلك اطلاق سراح المعتقلين ، وكذلك السماح للصحف التي تعطلت بالصدور من جديد.
وفي اليوم التالي لاجتماع البلاط ، ادلى صالح جبر رئيس الوزراء، بتصريح من لندن اعرب فيه عن امله بان البرلمان العراقي والشعب ، سيجدان في المعاهدة ما يحقق الاماني القومية تحقيقا كاملا، وقال ان بعض العناصر الهدامة من الشيوعيين والنازيين ،استغلت فرصة غيابه، واحدثت القلاقل في البلاد، وانه سيعود فورا الي العراق ، وسيسحق رؤوس هذه العناصر الفوضوية حتما.الا ان هذا التصريح الذي ادلى به صالح جبر، اثار الراي العام في العراق، وعادت التظاهرات من جديد، وتصاعدت يوم 26 كانون الثاني 1948 وهو اليوم الذي عاد به صالح جبر من لندن، حيث هبطت طائرته في مطار الحبانية، ومن هناك وصل الي بغداد، بحماية قوية اتجه فورا الى قصر الرحاب، والتقى الامير عبد الاله ، ليستطلع منه ما استجد من امور وجرى نقاش حضره نوري السعيد، واثناء المناقشة اعرب صالح جبر عن استعداده لتقديم الاستقالة، الا ان الامير عبد الاله طلب منه التريث، وعندها ابدى جبر استعداده لاعادة النظام الى نصابه وهيبة الحكومة الى سابق منزلتها وعهدها، اذا سمح له بحرية التصرف خلال 24 ساعة فايده بعض الحاضرين كنوري السعيد وخالفه اخرون.
وفي لقاء لصالح جبر فيما بعد مع المؤرخ عبد الرزاق الحسني، قال جبر كانت عدة جهات مسؤولة وغير مسؤولة تتوسل اليه ــ اي الى صالح جبر ــ ان يعالج الموقف بما عرف عنه من الصلابة ومضي العزيمة، وكانت تقول له ان البلاد لا يمكن ان تساس من رجل الشارع وانه الشخص الوحيد الذي يستطيع ان ينقذ هيبة الحكومة وشرفها. فاثرت هذه الكلمات تاثيرها المطلوب في نفسه كما يقول جبر.
ومن هنا عقد اجتماع في مقر وزارة الداخلية تقرر فيه منع اية تظاهرة واستعمال الاسلحة النارية لتمزيق المتظاهرين ، كما ابرق وزير الداخلية الى المتصرفيات كافة توصي باستخدام القوة اذا تعذر تفريقها بالعصي، فيما اتخذت قوات الشرطة مواقعها في اهم المراكز الحساسة في انحاء العاصمة بغداد.
كما اصدر صالح جبر بيانا طلب فيه من المواطنين الإخلود الى الهدوء والسكينة، وقال ان في مقدمة منهاج وزارته كان تعديل المعاهدة العراقية ــ البريطانية بمعاهدة جديدة تضمن للبلاد حقوقها وامانيها واستقلالها التام. وقد سافرنا الى لندن وتوصلنا الى عقد معاهدة جديدة ستطلع الامة العراقية الكريمة على شرح بنودها ومراميها بالتفصيل، وعندئذ سيكون للامة الحكم الفاصل والكلمة الاخيرة في البت في امرها سلبا او ايجابا.
غير ان المواطنين لم يهتموا ببيان رئيس الوزراء صالح جبر، بل ان القائمين بالحركة المعارضة عقدوا اجتماعا في دار جعفر حمندي، حضره محمد رضا الشبيبي ومحمد مهدي كبة وكامل الجادرجي وحسين جميل وداخل الشعلان وعلي ممتاز الدفتري ونصرة الفارسي واخرون واتفقوا علي وجوب الاستمرار في التظاهرات التي تصاعدت وبلغت اوجها يوم 27 كانون الثاني حين تحولت العاصمة الى اشبه بساحة حرب، بعد ان احتلت قوات الشرطة مداخل الطرق وانطلقت سياراتها المصفحة تجوب الميادين الرئيسة، ونصبت الرشاشات فوق البنايات الشامخة والمساجد وخاصة منارة (جامع حنان) في جانب الكرخ ومنارة (جامع الاصفية) في الرصافة، واخذت تحصد المتظاهرين فوق جسر المأمون ــ الذي اطلق عليه فيما بعد ــ جسر الشهداء ــ سقط خلالها عشرات الشهداء ومئات الجرحى، لم تنفع معها محاولات رئيس الوزراء صالح جبر وبياناته التي كانت تدعو المواطنين الى الهدوء والسكينة، مما اضطرت وزارة الداخلية الي الاستعانة بقوات الجيش للسيطرة علي الاوضاع فيما قدم العديد من النواب استقالاتهم، اضافة الى استقالة ثلاثة وزراء هم وزير العدلية جمال بابان ووزير المالية يوسف رزق غنيمة ووزير الشؤون الاجتماعية جميل عبد الوهاب. مما اضطر الامير عبد الاله الى ان يكلف السيد محمد الصدر لتشكيل حكومة جديدة، تخلف حكومة صالح جبر، بعد ان اتصل به رئيس ديوان التشريفات الملكية احمد مختار بابان وابلغه بان عدد الوزراء اصبح دون النصاب القانوني وطلب منه تقديم استقالته ، فقدمها صالح جبر على الفور في رسالة بعث بها الى الامير عبد الاله جاء فيها (لقد ظهر من البيانات التي ادلى بها وزير العدلية ووكيل رئيس الوزراء في قصر الرحاب ، ان اخطاء متعددة وقعت فأدت الى الوضع الحاضر. ولما شعرت ان مواقف البعض من الزملاء المحترمين تميل الى عدم الاستمرار في تحمل المسؤولية، رايت من واجبي ان افسح المجال لسموكم لمعاجة الوضع، وذلك باختيار من ترونه لتحمل المسؤولية. وبينما كنت اريد تقديم استقالتي وكانت مهيأة امرتموني سموكم مساء البارحة بضرورة الاستمرار بغية توطيد الامن ومحافظة النظام بالدرجة الاولي، فامتثلت لامر سموكم وباشرت من فوري باتخاذ الاجراءات التي اعتقد انها تؤدي بالنتيجة الي القضاء على الاضطرابات والفوضي، فارى الان ان لا مناص من ان اتقدم باستقالتي راجيا قبولها) .
ومن جانبه الوصي فقد قبل استقالة صالح جبر ورد فيه (اني مع اظهار اسفي لمفارقتكم رئاسة الحكومة اعرب لكم ولزملائكم عن تقديري للجهود القيمة التي بذلتموها لصلاح البلاد)0
كما اصدر الوصي الامير عبد الاله بيانا اذيع من دار الاذاعة اعرب فيه عن اسفه للحوادث المؤسفة التي وقعت والدماء التي اريقت. واعلن عن استقالة وزارة صالح جبر واكد قبولها وطلب من جميع المواطنين الإخلود الي السكينة والهدوء.
وقد قوبل بيان الامير عبد الاله بالغبطة والسرور من المواطنين حيث انقلبت المآتم الى افراح، وشيعت بغداد في اليوم التالي شهداءها ، فيما غادر صالح جبر بغداد الي مضارب اصهاره آل الجريان في الهاشمية بلواء الحلة ومن ثم غادر العراق الى الاردن ومنها الى لندن. وشرعت حكومة السيد الصدر ،الذي كان يؤكد تغلب الحكمة علي العاطفة في التحقيق في الحوادث المؤسفة التي وقعت في عهد حكومة صالح جبر، فقررت تشكيل لجنة برئاسة عبد الجبار التكرلي عضو محكمة تمييز العراق وعضوية عمر نظمي وفهمي الجراح وعبد الحميد مهدي وعبد الحليم السنوي، التي شرعت في التحقيق فورا، وتوصلت الي ان اطلاق النار على المتظاهرين لم يصدر أمر به من اية جهة مختصة، كما لم يكن هناك امر باطلاق النار اصلا من رئيس الحكومة صالح جبر نفسه0بل ان قوات الشرطة التي اطلقت النار بكثرة واستعملت المسدسات والبنادق الرشاشة واوقعت بالمتظاهرين اصابات بين قتيل وجريح ، قد صدرت الاوامر اليها من متصرف لواء بغداد مظفر احمد ثم من وزير الداخلية توفيق النائب الموجهة الي جميع المتصرفين. واعدت اللجنة ان اجراء وزير الداخلية خارجا عن الصلاحيات القانونية اذ ان ذلك ينحصر في صميم واجبات المتصرفين بمقتضى قانون ادارة الالوية. وقالت اللجنة ان تفريق التظاهرات بالقوة عند اللزوم امر يعود حصرا الي المتصرف وان ذلك لا يمنع وزارة الداخلية بحكم تسلسل المسؤوليات ان تتخذ الاجراءات اللازمة بحق المتصرف او غيره من الموظفين اذا ما راي انهم قد قصروا في واجباتهم وبشكل لا ترتضيه.وعلى هذا فان تدخل وزارة الداخلية في امر التظاهرات على الوجه الذي وقع اعتبرته اللجنة مخالفا لاحكام القانون ، مما يدل على ان غرضها من هذا التدخل سياسيا، الا وهو الدفاع عن معاهدة بورتسموث وقمع اي حركة ترمي الي الاحتجاج عليها او معارضتها.
واوصت اللجنة بتعويض ذوي القتلي والجرحي بصورة عامة وفق اسس عادلة. واوصت باستصدار تشريع بذلك.
وانه لم يسمع عن اي اجراء اتخذ بحق المسؤولين عن الحوادث ولم يسمع عن اي تشريع صدر للتعويض لاهالي القتلي والجرحى.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.