لعبة محصلتها.. لا غالب ولا مغلوب سوق التطرّف في تونس … إنتشار السلفية الجهادية جنباً إلى جنب مع عملية التحوّل الديمقراطي

GettyImages-1448951912

بينما تُعَدّ تونس البلد العربي الوحيد «بنظر الباحثين الغربيين» الذي يمرّ في عملية انتقال ديمقراطي ناجحة حتى عام 2015، إلا أنها شهدت أيضاً حركة سلفية جهادية متنامية منذ سقوط الرئيس السابق «زين العابدين بن علي» في كانون الثاني 2011 فتح احتكار إبن علي للمجال الديني وإهماله للقضايا الاجتماعية والاقتصادية البابَ أمام التطرّف وأدت هذه العوامل، إضافةً إلى خيبة أمل الشباب وسوء التعامل مع التيارات السلفية بعد الثورة، إلى تصعيد العنف في تونس وتصدير الجهاديين إلى سورية والعراق وليبيا, فقد منعت سيطرة إبن علي المُحكمة على المجال الديني ظهور قوى دينية فاعلة بعد الثورة وأدّى سقوط النظام إلى خلق فراغ سمح للمجموعات الراديكالية بنشر أفكارها وتجنيد أعضاء جدد في صفوف الشباب المحرومين, ركّزت «النهضة» وهي حركة إسلامية بارزة وحزب سياسي، على عملية كتابة الدستور والصراعات السياسية، من دون أن تقيم توازناً سليماً بين المجالين السياسي والديني, وتصرّفت «النهضة» بشكلٍ براغماتي لتوطيد مركزها السياسي، لكن فشلها في القطع مع النظام السياسي السابق أتاح مجالاً أوسع للتحدّي الاجتماعي والسياسي من جانب السلفية الجهادية, تفاقُم الوضع الاجتماعي والسياسي في تونس منذ الثورة، أدّى إلى خيبة أمل في صفوف الطبقتين الدنيا والوسطى، وخاصة الشباب, وتدعو الحركة السلفية الجهادية إلى إقامة دولة إسلامية، وترفض الاعتراف بشرعية مؤسّسات الدولة الحديثة وتصاعدُ التهديد الذي تشكّله الحركة من شأنه أن يزعزع عملية الانتقال الديمقراطي الهشّة في البلاد, استقطب هجومان حدثا في الآونة الأخيرة اهتماماً عالمياً، أحدهما على شاطئ في سوسة في حزيران 2015 والآخر على متحف «باردو» الوطني في آذار 2015، غير أن هذين الهجومين اللذين خلّفا 38 و22 قتيلاً على التوالي، يمثّلان تصعيداً أكبر كان يتراكم منذ عام 2012، وهو العام الذي شهد أول هجوم إرهابي ضدّ قوات الحرس الوطني على الحدود التونسية-الجزائرية.وفقاً “لبلال الشواشي” السلفي الجهادي البارز الذي ينتمي إلى جماعة “أنصار الشريعة” وهي جماعة سلفية جهادية تأسّست في نيسان 2011، فإن في تونس أكثر من 50 ألفاً من السلفيين الجهاديين، فقد أعلن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن أكثر من 5500 تونسي يقاتلون ضمن الجماعات الجهادية في سورية والعراق وليبيا واليمن ومالي ويتولّى الجهاديون التونسيون أدواراً قيادية في الحركات الجهادية في سورية والعراق وبعد هجوم “سوسة” أعلن رئيس الوزراء التونسي أنه تم منع 15 ألفاً من التونسيين من السفر للانضمام إلى الجماعات الجهادية لقد تمكّنت السلفية الجهادية من الانتشار بسهولة أكثر في تونس بعد سقوط نظام إبن علي بسبب ضعف المجال الديني وعدم الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية, والسؤال لماذا تنتشر السلفية الجهادية جنباً إلى جنب مع عملية التحوّل الديمقراطي التي كان من المتوقع أن تجعل هذه الأفكار المتطرّفة أقل شعبية ففي إطار هذا التحوّل، تمكنت الأحزاب الإسلامية من أن تعمل بحرية وأن تحكم وهذا هو حال “حزب النهضة الإسلامي” الذي فاز في أول انتخابات عُقدَت بعد انتفاضة تونس “في تشرين الأول 2011″، وهي ثاني أقوى كتلة في البرلمان الحالي، وحزب “جبهة الإصلاح السلفي” الذي شارك في الانتخابات البرلمانية التي جرت في تشرين الأول 2014 ومع ذلك، فقد تمكّنت السلفية الجهادية من الانتشار بسهولة أكثر في تونس يكمن السبب وراء هذا التطوّر في القواعد التي كانت تحكم المجالات السياسية والدينية على مدى السنوات الثلاث والعشرين التي أمضاها “بن علي” في منصبه، والتي أثّرت في مدة ما بعد الثورة خلال سنوات ما بعد الثورة، أدّى منح الأولوية للمسائل السياسية والدستورية إلى إهمال الشروخ الاجتماعية والاقتصادية الموروثة من عهد إبن علي، ولم تتمّ إلى حدّ كبير تلبية توقّعات الطبقتَين الدنيا والوسطى وهذا غذّى مشاعر الاستياء في أوساط الشباب وشجّع على التطرّف كما أن تهميش إبن علي للتعليم الديني وفرض ضوابط أمنية مشدّدة على المساجد، خلق فراغاً في المجال الديني سمح للفاعلين الدينيّين المتشدّدين بالظهور بعد سقوط النظام لتجنيد أعضاء جدد في صفوف الشباب ولذا تشهد تونس الآن الآثار الطويلة الأجل لأوجه القصور تلك ولكي تتغلّب على نمو التطرّف والجماعات المتطرّفة، تحتاج تونس إلى معالجة المطالب السياسية للشباب وتنويع المجال الديني وعليه ستكون معالجة المظالم الاجتماعية والاقتصادية بهدف توسيع دائرة الإدماج والمشاركة في الترقّي الاجتماعي واجتثاث الإحباط في صفوف جيل الشباب حاسمة كما أن إضفاء الطابع المؤسّسي على الحركة السلفية من خلال السماح لمن يرغبون في العمل في إطار السياسة الرسمية والمجتمع المدني بأن يعملوا بحرية، طالما أنهم يحترمون القانون، ستكون ضرورية أيضاً ويجب على الدولة أيضاً أن تخفّف من سيطرتها على المجال الديني وتعزّز القدرة التنافسية للجهات الدينية الرسمية للسماح بظهور تنوّع في الأفكار الدينية وأخيراً، تحتاج النهضة، في إطار دورها بوصفها أقوى حركة دينية في تونس، إلى إيجاد التوازن الصحيح بين الأنشطة الدينية والسياسية لأن وجودها في سوق الأفكار الدينية سيساعد على الحدّ من تأثير الجماعات المتشدّدة, ويتطلّب فهم تطوّر فكر السلفية الجهادية في تونس أولاً نظرة ثاقبة لمعرفة كيف ولماذا همّشت الحكومة الدين منذ الاستقلال فقد حاول أول رئيس لتونس في مرحلة ما بعد الاستعمار، الحبيب بورقيبة “حكم تونس بين 1957-1987″، إخضاع الدين إلى السيطرة الكاملة للدولة واستهدف بورقيبة مؤسسة الزيتونة، أقدم مركز وإسلامي سنّي للتعليم الديني، والتي تأسّست في عام 737 م، إذ أغلق التعليم الديني الزيتوني، واستدبله بكلية الشريعة وأصول الدين التي صارت إحدى مكوّنات الجامعة التونسية وخلافاً لما حدث في مصر، حيث عمد النظام في ظل حكم “جمال عبد الناصر” في خمسينيات وستينيات القرن الماضي و”أنور السادات” في السبعينيات، إلى توسيع المؤسّسات الدينية بهدف استخدامها لدعم سياساته، منع “بورقيبة” جامعة الزيتونة من لعب أي دور عام، حتى لخدمة النظام السلطوي كما قام بتأميم الأوقاف وألغى المحاكم الدينية, وبعد انقلابه السلمي في عام 1987، سعى الرئيس السّابق “زين العابدين بن علي” إلى استخدام الدين لتعزيز شرعيته وشدّد على أهمية الهوية والقيم الإسلامية كانت محطة الإذاعة الوطنية تبث الأذان بصورة يومية، كما تمت إعادة الزيتونة إلى وضعها السابق كجامعة وقد عفا “زين العابدين بن علي” عن زعيم حركة النهضة الإسلامية، “راشد الغنوشي” ووعد بالسماح للحركة بالعمل بحرية وكانت حركة النهضة “كانت تسمى في البداية حركة الاتجاه الإسلامي” قد تأسّست في عام 1981 على يد مجموعة من المفكرين الإسلاميين الذين استلهموا أفكار جماعة الإخوان المسلمين في مصر وقد دعا هؤلاء إلى أن تكون هناك هوية إسلامية للدولة ومجتمع تونسي إسلامي, تم إيقاف التقدم في مجال تخفيف القيود على الأنشطة الدينية، بعد أن عقد إبن علي انتخابات تنافسية نوعاً ما في عام 1989، حين دفعه الأداء الانتخابي القوي نسبياً للحركة الإسلامية إلى تضييق الخناق على الفاعلين الدينيّين تم سجن آلاف الأشخاص وأُرغم الكثيرون على الذهاب إلى المنفى، وانتقلت قيادة حركة النهضة إلى أوروبا ومن ثمّ عزّز إبن علي السيطرة الأمنية للدولة على المساجد وفرض قيوداً قانونية على الحجاب واللباس الإسلامي وقد عدّ أي تعبير سياسي، أو حتى أي تعبير علني، عن التديّن تهديداً ووصف أحد قادة النهضة ذلك بالقول “لم تكن تلك مجرّد حرب ضد الإسلاميين وحسب، بل ضدّ أي شكل علني للتديّن”, بعد أن لجأت حركة النهضة إلى العمل السرّي في أعقاب حملة “زين العابدين بن علي” بدأت الحركة السلفية في الصعود وتشير السلفية إلى قراءة دينية حرفية للنصوص الإسلامية تدّعي أنها تتبع نهج السلف الصالح وغالباً ماتصنَّف السلفية إلى فئتين السلفية العلمية والسلفية الجهادية الأولى غير سياسية بصورة عامة، وترفض الخروج على الحكام السياسيين طالما أنهم لايمنعون ممارسة الشعائر الإسلامية، في حين تؤمن الأخيرة بالكفاح المسلح لإقامة دولة إسلامية نمت السلفية العلمية في تسعينيات القرن الماضي من خلال الاجتماعات الخاصة والكتب والمواد السمعية والبصرية، والقنوات التلفزيونية الفضائية الدينية التي جذبت الكثير من التونسيين الساعين للحصول على المعرفة الدينية تسامح النظام نسبياً مع هذه الأنشطة غير السياسية كان إبن علي يعتقد أن السلفية يمكنها تقديم بديل غير سياسي للمشروع السياسي لحركة النهضة ومع ذلك، فقد ظهرت أيضاً السلفية الجهادية، جنباً إلى جنب مع هذه النسخة غير السياسية من السلفية، مدفوعة جزئياً بالغزو الأميركي لأفغانستان في عام 2001، والعراق في عام 2003، ما دفع الكثير من التونسيين إلى الانضمام للقتال ضدّ ما عدّوه حرباً على الإسلام, ويمكن ربط نمو الحركة السلفية الجهادية بالعديد من العوامل، إضافةً إلى تهميش الجهات الدينية الأخرى وصعود الإيديولوجيا الجهادية في جميع أنحاء العالم استفاد السلفيون الجهاديون من الفراغ الأمني الذي شهدته البلاد في أعقاب سقوط نظام إبن علي وقد مكّنتهم الأنشطة الدعوية والخيرية من توسيع نفوذهم في المجال العام وتجنيد المتشدّدين في ضواحي تونس العاصمة والمناطق الداخلية، خاصة “سيدي بوزيد” و”جندوبة” و”القيروان” و”القصرين” قدموا المساعدات إلى المحتاجين، مثل اللاجئين الفارّين من النزاع في ليبيا المجاورة في عام 2011 ومواطني مدينة “جندوبة” الذين تضرّروا من الفيضانات الغزيرة في عام 2012 كما استفادت الجماعات السلفية من تخفيف القبضة الأمنية في المناطق الفقيرة، من خلال المشاركة في الاقتصاص من المجرمين والوساطة الاجتماعية وحلّ النزاعات ونجحوا في إقامة علاقات مع شبكات التهريب في المناطق الحدودية المحرومة علاوةً على ذلك، تواصلوا مع وسائل الإعلام للدفاع عن أفكارهم أدّى الموقف السلبي لحكومة الترويكا بعد الثورة، وهي ائتلاف بقيادة النهضة، تجاه السلفية الجهادية إلى خلق مناخ متساهل مع هذه الحركة وعلى الرغم من اتهام العلمانيين لحركة النهضة بالتواطؤ الواضح مع السلفيين الجهاديين، فموقف هذه الأخيرة بعد انتخابات تشرين الأول 2011 يمكن فهمه في إطار ما وصفته “نادية المرزوقي” بأنه استراتيجية تجنّب المخاطر الملازمة لهدفها الأساس المتمثِّل في أن تصبح حزباً سياسياً طبيعياً ومقبولاً من مختلف القوى السياسيّة الموجودة على السّاحة التونسيّة.كانت وما زالت… حركة النهضة متردّدة بين نهجين متنافسين للتعامل مع السلفية الجهاديةحين نجحت النهضة في تعزيز مكانتها في المجال السياسي من خلال المساومة وتقديم التنازلات لحلفائها أو خصومها العلمانيين، أصبح موقف الفصائل التي تؤيّد العنف داخل أنصار الشريعة أقوى بحلول كانون الأول 2011، هدّد “أبو عياض” النهضة بأن تكون هناك عواقب إذا ما قدّمت تنازلات لمواءمة مواقف العلمانيين، كما أن تصاعد العنف السياسي في عام 2013 منح الجماعة التي أرادت مواجهة أنصار الشريعة، داخل حركة النهضة، الشرعية اللازمة لتنفيذ رؤيتها في أيار 2013، رفضت حكومة النهضة السماح لأنصار الشريعة بعقد اجتماعهم السنوي الثالث وفي آب 2013، أعلن رئيس الوزراء آنذاك، “علي العريّض” وهو الآن أمين عام حركة النهضة، أنصار الشريعة منظمة إرهابية بسبب تورّطها في قتل “شكري بلعيد” و”محمد البراهمي” وعناصر من الأجهزة العسكريّة والأمنيّة كما أن اعتقال أكثر من 6500 من الشباب الذين كانوا أعضاء في أنصار الشريعة أو متعاطفين معها أضعف قيادتها، وهو الأمر الذي أدّى، بدوره، إلى فقدان السيطرة على صفوفها وانخراط بعض الأعضاء في أعمال العنف, أثبت تصويت النهضة ضدّ استبعاد الشخصيات البارزة في النظام السابق من المشاركة في انتخابات عام 2014 براغماتية الحركة في سعيها للحصول على الاعتراف السياسي، وبالتالي استعدادها لقبول الاستمرارية مع الماضي هذا الفشل في القطع مع النظام السياسي السابق أتاح مجالاً أوسع للتحدّي الاجتماعي والسياسي من جانب السلفية الجهادية غير أن التحوّل في أنماط الجهاد العالمي زاد أيضاً في نمو السلفية الجهادية ومنذ إنشاء تنظيم “داعش” قوبلت التصدّعات في النظام الاجتماعي والسياسي بوعد بـ”مدينة فاضلة” على أساس نظام اجتماعي وسياسي جديد يتمحور حول الإسلام وعلى غرار تنظيم القاعدة في العقد الماضي، نجح تنظيم “داعش” في اختراع ما وصفه “أوليفييه روا” بأنه “سردية قد تسمح للمتمردين الذي ليست لديهم قضية بالارتباط بقضية” وبعبارة أخرى، توفّر السلفية الجهادية للشباب المحبَطين قواعد للتمرّد، وتحوّل تنظيم “داعش” إلى بديل للدولة الوطنية “غير الشرعية” هذه السرديّة تدمج المسائل السياسية والدينية بهدف حشد المتطوّعين للجهاد في سورية والعراق وليبيا، وعلى نحو متزايد، في تونس التصعيد في العنف الجهادي لايدلّ بشكلٍ واضح على التحدّيات الأمنية وحسب، بل أيضاً على التحدّيات السياسية والدينية التي تواجهها الجهات الفاعلة في عملية الانتقال الديمقراطي في تونس ثمّة عدد من التدابير المطلوبة لمواجهة الموجة الحالية من التطرّف في تونس والسماح بقيام علاقات بين الدين والدولة تحمي الحريات الدينية من دون تعريض العملية الديمقراطية إلى الخطر وتشمل هذه التدابير الإدماج السياسي للسلفيين السلميين، وإنشاء سوق أكثر تنوعاً للأفكار الدينية، ومحاولة من جانب حركة النهضة، باعتبارها الحركة الدينية الأكثر أهمية في تونس، لإيجاد توازن صحيح بين السياسة والدين وإضافةً إلى هذه التدابير، ثمّة حاجة لوضع استراتيجية شاملة لمواجهة التطرّف تشمل الجهات الفاعلة الأخرى في مايمكن تسميته ائتلاف مواجهة التطرّف غالباً ما تكون العوامل الإيديولوجية أقلّ تأثيراً في استقطاب المجنّدين للسلفية الجهادية من السخط تجاه الجهات الفاعلة السياسية والمؤسّسية، سواء كانت علمانية أم إسلامية فالمواجهة بين الحركة الجهادية وقوات الأمن هي لعبة محصلتها لاغالب ولامغلوب ويمكن أن تتسبّب في حالة من عدم الاستقرار الدائم، ما يهدّد العملية الديمقراطية وبالتالي فإن نجاح الديمقراطية التونسية يتطلّب الإدماج السياسي لجزء من الحركة السلفية على الأقلّ ومن شأن عملية الإدماج هذه أن تشجّع الحركة السلفية التونسية على الشروع في عملية مراجعات فكرية ويوفّر الشيخ “منير أبو مظفّر التونسي” أحد الآباء المؤسّسين للحركة للسلفية في تونس، مثالاً على ذلك إذ يمكن النظر إلى المراجعات الفكرية التي يحاول القيام بها وتقاربه مع حزب جبهة الإصلاح بعدّها خطوات لإضفاء الطابع المؤسّسي على هذه الحركة يرفض التونسي مساواة الديمقراطية بالكفر، مشيراً إلى أن الديمقراطية أفضل من حكم استبدادي مفروض وهو يدعم أيضاً حرية الضمير طالما أنها تكون مصحوبة بحرية الدعوة إلى القيم الإسلامية.التوازن بين الأنشطة السياسية والدينية من خلال التفريق بين هوية الحزب السياسي و تاريخه كحركة دينيةثمّة حاجة إلى تجنّب استبعاد الجماعات الدينية من العمل في المجال السياسي والمجتمع المدني طالما أنها لاتستخدم العنف أو تدعو إلى استخدامه وينبغي أن نرسم خطاً فاصلاً بين من يدعون إلى العنف وبين الملتزمين بالدعوة السلمية إلى أفكارهم وهذا هو حال حزب التحرير، الذي لايُعَدّ جماعة سلفية بل حزباً إسلامياً يدعو إلى استعادة الخلافة الإسلامية بعد هجوم سوسة، زاد الضغط على الحكومة لحظر حزب التحرير، من جانب القوى العلمانية بصورة رئيسة، بحجّة أن هذا الحزب لايعترف بالدستور الجديد والنظام الجمهوري على الرغم من موقفه السياسي المتطرّف والداعي إلى إقامة الخلافة، ينبغي أن يُسمح لحزب التحرير بالعمل بحرية فمن شأن إقصاء هذا الحزب أن يؤجّج الغضب بين مؤيّديه وعلى نطاق أوسع بين السكان المحافظين والمتديّنين، الذين سيشعرون بأنهم مستبعدون من المجال العام، ويمكن تجنيدهم بسهولة من جانب جماعات العنف وهذا من شأنه خلق شعور بالظلم والاغتراب وتغذية التطرّف قبل الثورة لم تكن في تونس فعاليات دينية قوية كانت وزارة الشؤون الدينية تحتكر المجال الديني، بيد أن دعم أئمتها للنظام القديم، رفع غطاء الشرعية عنها بعد سقوط النظام وتسعى الوزارة الآن إلى استخدام الشرعية الانتخابية للحكومة التي تمتلك زمام السلطة، سواء في ظل حكم الترويكا أم الحكومة الحالية بقيادة حزب نداء تونس، من أجل استعادة سيطرتها على المجال الديني ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية قد تصبّ الزيت على نار عملية التطرّف بدلاً من السماح للمؤسسات الدينية الرسمية باحتكار المجال الديني أو السماح للدعاة غير الرسميين بالاستفادة من النظام الضعيف، يحتاج النظام إلى تعزيز السوق التنافسية للأفكار، بحيث يمكن لأي طرف ديني فاعل لايمارس العنف السياسي أو يدعو إليه أو يتبنّى خطاب كراهية، أن يعمل كما تحتاج وزارة الشؤون الدينية إلى توفير تدريب للأئمة الرسميين يشمل موضوعات دينية وأخرى حديثة حتى يتمكّنوا من منافسة الدعاة السلفيين وعلى النظام أن يوازن بين السيطرة المُحكَمة وعدم وجود رقابة فإذا مامنحت الوزارة المؤسّسات الدينية الرسمية احتكار السوق، فإنها بذلك تضرّ بشرعيتها وتسمح بظهور سوق موازية للأفكار الدينية حيث لاتملك الدولة السيطرة ولا تكون المؤسسات الدينية الرسمية لاعباً فيها, فقبل عام 2011، اضطرّ أعضاء حركة النهضة إلى الخروج من البلاد أو العمل بصورة سرّية وبالتالي، وعلى عكس حال جماعة الإخوان المسلمين في مصر، لم تكن هناك أنشطة اجتماعية أو دينية قائمة لحركة النهضة عندما وصلت إلى السلطة بعد سقوط زين العابدين بن علي، ركّزت النهضة على الصراعات السياسية في المدة الانتقالية ولم تولِ المجال الديني الاهتمام الكافي، ماسمح للسلفية الجهادية بنشر أفكارها وتجنيد أعضاء جدد، ولاسيّما في صفوف الشباب وتحتاج النهضة الآن إلى إيجاد توازن أفضل بين السياسة والدين، وإلى التفريق بين هويتَيْها كحزب سياسي وحركة دينية, وينبغي أن يُسمح لحزب النهضة بالعمل في المجال السياسي من دون أي تدخّل من جانب الحركة الدينية على أساس حجج دينية، وينبغي أن تكون الحركة الدينية قادرة على العمل داخل المجال الديني من دون أن تُستَغل من جانب الحزب لتحقيق مكاسب سياسية. ولضمان هذا التمايز، ينبغي أن يكون للحزب والحركة هيكلان تنظيميان منفصلان. وينبغي أن يكون كل هيكل قادراً على وضع أجندته وتشكيل تحالفاته الخاصة لتحقيق أهدافه. وفي حين أن الهيكلين قد يشتركان في المرجعية الإيديولوجية نفسها، ينبغي أن يعملا في مجالَين مختلفَين: السياسي والديني.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.