نظرية التلقي والتأويل في النقد الأدبي عند العرب

11

محمد يوب / ناقد أدبي

في أواسط القرن الماضي ظهرت عدة نظريات نقدية تهتم بدراسة النص الأدبي؛ ومنها المنهج التاريخي والاجتماعي والنفسي؛ التي تسلط الضوء على الكاتب وظروفه؛ كما ظهرت مناهج أخرى اهتمت بسلطة النص، وأكدت على دراسته دراسة داخلية؛ كما عند الشكلانيين الروس؛ وعند رولان بارث، الذي حث على دراسة النص ولا شيء غير النص؛ وأكد على موت المؤلف من أجل حياة النص، من خلال تفاعلاته البنيوية الداخلية. وكان لذلك الجدل والصراع القائم بين هذه المناهج النقدية والنظريات المعرفية المتباينة الأثر الواضح في ميلاد جمالية التلقي في النقد المعاصر (الهيرمنيوتيكا) مع مدرسة كونستونس الألمانية بقيادة هانز روبرت لياوس؛ وفولف جونج إيزر.
وقد اعتمدت هذه النظرية على المتلقي ودوره في تمام النص الأدبي؛ على اعتبار أن هذا الأخير يكتب بثلاث أياد؛ يد الكاتب ويد النص ويد القارئ؛ والنص يبقى كسولا إن لم يكن القارئ شريكا في إنتاجه؛ بل أن النص الأدبي أنشئ من أجل القارئ؛ وأن النص الأدبي أثر مفتوح يحيا ويستمر في الوجود من خلال تعدد القراءات.
لقد أحدثت نظرية جمالية التلقي والتأويل ثورة عارمة في مجال الدراسات الأدبية والنقدية وفي تاريخ الأدب الحديث، بوصفها نمطا جديدا في الدرس الأدبي.
ومنهم من يرجع بداية هذه النظرية لحقبة قديمة من هذا الزمن، حيث استخلص «روبرت هولب» من الوظيفة الاتصالية للبلاغة نقطة بداية لنظرية التلقي حين قال: «وكتاب فن الشعر لأرسطو باشتماله على فكرة التطهير بوصفها مقولة أساس من مقولات التجربة الجمالية، يمكن أن يعد أقدم تصوير لنظرية تقوم فيها استجابة الجمهور المتلقي بدور أساسي» بمعنى أن تاريخ نظرية التلقي والتأويل يعود إلى (نظرية المحاكاة) عند أرسطو لاشتمالها على فكرة التطهير التي تقوم وتنهض على استجابة المتلقين وردود أفعالهم تجاه الأثر الأدبي.
حقيقة الأمر أن الإنسان كان يمارس التلقي ويؤول ما يسمع منذ بداية حياته، ولكن كان ذلك بشكل مبسط وسهل، ثم أخذ يتدرج شيئا فشيئا، إلى أن أصبحت لنظرية التلقي والتأويل القواعد والنظريات التي تخصها.
1ـ التلقي والتأويل عند العرب
مند القدم إلى الآن كانت ومازالت نظرية التلقي والتأويل محل نقاش وجدل؛ فعلى الرغم من أن علماء الغرب هم من وضع أسس هذا العلم؛ إلا أنه يمكن القول بأن العرب اهتموا كذلك بأهمية تلقي النصوص وتأويلها؛ وقد انصب اهتمامهم في هذا المجال على تلقي النص الديني؛ لأن فيه نصوصا تفهم منذ الوهلة الأولى؛ وأخرى تحتاج إلى الاستعمال العقلي.
في المجال الأدبي كانت ظروف التلقي الأدبي تفرض على المبدع أن يعرض إبداعاته بنفسه على أكبر عدد من المتلقين في الأماكن المتاحة لذلك؛ وأقيمت الأسواق الأدبية لإلقاء الشعر والمحافل الجماعية لسماع الخطباء؛ مثل سوق عكاظ أو سوق المربد وغيرهما… ولنا في قصة أم جندب والخنساء وزهير بن أبي سلمى أكبر دليل على ذلك.
وقد ارتبطت عملية التلقي والتأويل بردود أفعال النقاد تجاه النصوص الأدبية؛ النثرية منها والشعرية؛ التي أثارت فيهم كثيرا من المفاهيم النقدية مثل: فكرة الموازنات والسرقات والوساطات… وتطورت لتصبح أكثر دقة واحترافية عندما أصبحنا نتكلم عن (التلقي الضمني) و(العدول عن النص) و(سنن القراءة)… وأصبح الأدب كلما كان جيدا كان له تأثير قوي في المتلقي؛ ولهذا أصبح الأدب إبداعا من جهة المنشئ وتذوقا من القارئ؛ لأننا لا يمكننا تصور أدب بدون قارئ؛ أو مستمع؛ حيث في مرحلة قبل التدوين كان التلقي سماعيا وفي مرحلة التدوين أصبح التلقي قرائيا. ثم بعد ذلك أقيمت المسارح ودور السينما والمعارض لإيصال المنتجات الجديدة لهذه الأشكال الفنية المستحدثة إلى المتلقين. وبعد ذلك أصبح التلقي الأدبي والفني فرديا أو شخصيا بفضل الكتاب والصورة ثم بفضل الإذاعة والتلفزيون وبفضل التطور الهائل لوسائل الإعلام المتطورة مثل الإنترنت وغيرها.
وقد فرض التلقي الأدبي على المتلقي ألوانا معينة من فنون القول التي تتماشى مع عملية الجهر في الأداء؛ كما فرض هذا الأمر نفسه على النقد والبلاغة؛ فظهر الحديث عن مقتضى الحال؛ ومطابقة المقال للمقام؛ كما ظهر الحديث عن هيئة الخطيب وما يتخذه من صفات؛ وظهرت فنون الإلقاء المؤكدة على مخارج الحروف والألفاظ؛ والسجع وأشكال أخرى من أشكال الصنعة القولية؛ وكان من الضروري أن تكون اللغة هي الوعاء للإيقاع الصوتي وهي الأساس لإحداث الجماليات الفنية المطلوبة؛ ولإثارة الأحاسيس وشحنة الانفعالات القابعة في نفسية المتلقي وإعادة استرجاع المسموع.
وفي الثقافة الإسلامية نجد تعددية القراءات للنص القرآني، حيث قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «القرآن ذلول ذو وجوه فاحْمِلُوهُ عَلَى أحسن وجوهه». لقد أكد عليه السلام على العلاقة الوطيدة والمهمة بين القرآن الكريم وقارئه؛ منبها إلى أهمية هذه الظاهرة، مؤكدا على ضرورة الأخذ بأحسن الأوجه في حال تعددها، لأن أحسن الأوجه في اللغة يكون دائما هو الوجه الأفضل والأصح والأصوب والأقرب إلى الحقيقة والواقع، ويوافقه في ذلك علي بن أبي طالب الذي يقول: (القرآن حمال أوجه).
والسبب في تعدد القراءات والتأويلات هو وجود المترادفات في اللغة العربية التي تُحمل على معانٍ حسب سياق الأسلوب الذي وضعت فيه، وقد تكون الكلمة الواحدة تحمل وجه التضاد مع الكلمة نفسها في موضع آخر. فاللغة العربية تتميز بظاهرة تعدد الأوجه النحوية وتعدد المعاني للكلمة الواحدة أو العبارة الواحدة أحيانا، بحيث يكون على المتلقي العربي لتلك الكلمات أو العبارات المتعددة المعاني أن يحدد بكل موضوعية المعنى أو الوجه المقصود أو الأرجح من تلك الأوجه بحسب السياق.
ولهذا تلتقي نظرية التلقي والتأويل مع مرجعيات في الثقافة العربية؛ حيث أن النص الأدبي في نظرهم ليس ثابتا وما يستخرج منه من تأويلات هو راجع إلى تفاعل القراء معه. ومع تطور العصور لم تعد النظرة إلى النصوص الأدبية قائمة على صورة فنية نهائية، وإنما اعتمدت وراهنت على ذائقة المتلقي ومدى تفاعله مع هذه النصوص؛ وملء ما ظل مبهما فيها؛ وهي التي سماها دعاة نظرية التلقي والتأويل بملء الفجوات التي يتعين على المتلقي ملؤها؛ ولهذا السبب نجد النقاد القدماء قد اختلفوا في كثير من القصائد الشعرية؛ حيث أنهم يتقبلون الشعر الجيد الذي يلقى قبولا عند السامع ويرفضون الشعر الرديء الذي تنفر منه آذان المتلقين، وهذا هو الذي يعرف عند الهيرمنيوطيقيين بـ(تغير الأفق) و(اندماج الأفق) والمقصود بتغير الأفق هو تعارض القارئ مع ما يوحي به النص الأدبي؛ أما (اندماج الأفق) فهي علاقة التجاوب بين تاريخية النص وإحالته إلى الحالة الراهنة.
2 ـ التلقي و التأويل في النقد الحديث
إن القراءة نشاط مكثف وفعل متحرك، وتوليد يحاول معه القارئ استكشاف وسبر أغوار النص وهي تسير في اتجاهين: من النص إلى القارئ، ومن القارئ إلى النص، تقوم وتنهض بين عمليتين: التلقي والتأويل. فالتلقي هو نقل المعنى من داخل بنى النص الصغرى والكبرى، وعلاقات تلك البنى بالنسق والأنساق داخل النص نفسه، كما يقول البنيويون إلى المتلقي، وهو ما يعتبر تمهيدا بدرجة ما لمدرسة التفكيك التي بدأها جاك دريدا؛ أي هو العملية التي تتم عند القارئ أو المتلقي من قراءة النص والتعرف على معانيه وأبعاده وعلاقاته. وقد انصب اهتمام نظرية التلقي على الكيفية التي تم بها تلقي الخطاب الأدبي عبر الزمن؛ ومحور هذا الاهتمام هو المتلقي وحكمه على النص الأدبي في فترة تاريخية؛ وهو ما يبرر اعتمادها على المناهج التاريخية والاجتماعية.
أما التأويل: فهو تحديد المعاني اللغوية في العمل الأدبي من خلال التحليل، وإعادة صياغة المفردات والتراكيب؛ ومن خلال التعليق على النص، وهذا يركز على مقطوعات غامضة أو مجازية يتعذر فهمها؛ أي توضيح مرامي العمل الفني ككل، ومقاصده باستخدام وسيلة اللغة، بتركيزه على شرح خصائص العمل وسماته مثل، النوع الأدبي الذي ينتمي إليه وعناصره وبنيته وغرضه وتأثيراته.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.