التحريف وغاياته.. بحث روائي استدلالي

حجحخجح

منذ أن اختار رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جوار به حتى تبين لأتباع الحق التأويل الصحيح لقول الله تعالى في القرآن الكريم مخاطباً المسلمين:”وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ”،وهذه الآية لو وضعناها جنباً إلى جنب مع حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي ينص:”افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة،وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة،وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة”لوجدنا أن المسلمين اليوم متشرذمون متفرقون يقتتلون فيما بينهم وهم فرق ومجاميع كل يقول ما يحلو له وإن كان بلا دليل.. وما يعنينا من أمر التفرقة وانقسام الأمة أسبابها وهي كثيرة رصدت لها مجلدات الكتب والبحوث ولكننا اليوم بصدد أحد أهم أسباب الفرقة ألا وهو التحريف والإغفال والتعتيم ولهذا الأمر أساليبه وطرقه..أساليب التحريف
إنّ للمخالفين لمنهج أهل البيت(عليهم السلام) أساليب عديدة في ردّ ما يتعلّق بأهل البيت(ع) وبمسائل الإمامة،وكلّ ما يستدل به الإماميّة في بحوثهم.
فأوّل شيء نراه في كتبهم أنّهم يغفلون الخبر، ويحاولون التعتيم عليه وعدم نقله وعدم نشره،ولذا نرى أنّ كثيراً من الأخبار الصحيحة بأسانيدهم غير مخرّجة في الصحيحين،أو الصحاح الستّة من كتبهم،فأوّل محاولة منهم هي إغفال الأخبار الصحيحة التي يستند إليها الشيعة فلا ينقلونها.
ثمّ إذا نقلوا حديثاً يحاولون أن يحرّفوه،والتحريف يكون على أشكال في كتبهم.
أولاً: تارة ينقلون الحديث مبتوراً وينقصون منه محلّ الاستدلال ومورد الحاجة، وتارة يبهمون في ألفاظه، فيرفعون الأسماء الصريحة ويضعون في مكانها كلمة فلان إبهاماً للأمر .
ثانياً:الحذف من الخبر والوضع في مكان المقدار المحذوف كلمة كذا وكذا .
ثالثاً: وتارة نراهم يصحفون الألفاظ .
رابعاً: فإن لم يمكنهم التلاعب بمتنه،انبروا للطعن في سنده،وحاولوا تضعيف الحديث أو تكذيبه.
خامساً:فإن لم يمكنهم ذلك أيضاً،وضعوا في مقابله حديثاً آخر وادّعوا المعارضة بين الحديثين.أمّا المستنسخون، والناشرون للكتب، والرواة لتلك الروايات والمؤلفات، فحدّث عنهم ولا حرج .
ففي بعض المصادر، عندما يروى خبر مبيت أمير المؤمنين (ع) على فراش رسول الله(ص) في ليلة الهجرة، الرواية تقول :بات علي على فراش رسول الله،كلمة التاء بدّلها الناسخ باللام، التاء من بات بدّلها باللام .
ينقلون عن بعض الصحابة، أنّهم كانوا يعرضون أولادهم على أمير المؤمنين، يأتون بأبنائهم ويوقفونهم على الطريق، فإذا مرّ أمير المؤمنين(ع) قالوا للولد: أتحبّ هذا ؟ فإنْ قال : نعم، علم أنّه منه وإلاّ ..
فينقلون عن بعض الصحابة أنّهم كانوا يقولون ـ وهذا موجود في المصادر:كنّا نبور أبناءنا بحبّ علي بن أبي طالب، نبور أي نختبر، نختبرهم نمتحنهم، لنعرف أنّهم من صلبنا أو لا، كنّا نبور أبناءنا بحبّ علي بن أبي طالب.
لاحظوا التصحيف : كنّا بنور إيماننا نحبّ علي بن أبي طالب.
الباء أصبحت نوناً، نبور أصبحت بنور، أبناءنا أصبحت إيماننا ، كنّا بنور إيماننا نحبّ علي بن أبي طالب.وهكذا يصحّفون الأخبار.
وإمّا أنْ يرفعوا الحديث أو قسماً من الحديث ويتركوا مكانه بياضاً،ويكتبون هاهنا (بياض) في النسخة،وهذا أيضاً كثير في كتبهم،هنا بياض في النسخة، لاحظوا المصادر، حتّى الكتب الكلاميّة أيضاً.
شرح المقاصد حذف منه مقدار،وقد كتب محقّقه أنّ هنا بياضاً في النسخة،وكذا في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي،وفي تاريخ دمشق لابن عساكر،وغير هذه الكتب.فهكذا يفعلون، وكلّ ذلك لئلاّ يظهر الحق،وما أكثر هذا.
ويا حبّذا لو انبرى أحد لجمع هذه القضايا وتأليف كتاب في ذلك.
وأمّا أنّكم لو قارنتم الطبعات الجديدة للكتب، وقابلتموها مع الطبعات السابقة، حتّى تفسير الكشّاف للزمخشري، له أبيات، أربعة أو خمسة أبيات في تفسيره، هي في بعض الطبعات غير موجودة ، لأنّ تلك الأبيات فيها طعن على المذاهب الأربعة.وهكذا في قضايا أُخرى.
حتّى أنّ كتب أبي الفرج بن الجوزي في القضايا التافهة طبعوها ونشروها، له كتاب في أخبار المغفّلين، له كتاب في أخبار الحمقى، وأخبار الطفيليين، وكتبه من هذا القبيل طبعت .
لكنّ لابن الجوزي رسالة كتبها في تكذيب ما رووه من أنّ النبي (ص) قد صلّى خلف أبي بكر في تلك الصلاة التي جاء إلى المسجد بأمر من عائشة لا من الرسول، حتّى إذا، إطّلع على ذلك خرج معتمداً على رجلين، ونحّى أبا بكر عن المحراب وصلّى تلك الصلاة بنفسه الشريفة، فيروون أنّ رسول الله اقتدى بأبي بكر في تلك الصلاة وصلّى خلفه .
فلابن الجوزي كتاب في تكذيب ما ورد في هذا الباب،أي في صلاة النبي خلف أبي بكر،يكذّب هذه الروايات ابن الجوزي، هذه الرسالة لم ينشروها،وحتّى لم يكثّروا نسخها ولم يستنسخوها.
نماذج من التحريفات
1 ـ هناك حديث يروونه عن رسول الله (ص) يقول:”النجوم أمان لأهل السماء فإذا ذهبت ذهبوا،وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض” .
هذا الحديث موجود في المصادر، ومن المصادر التي يروى عنها هذا الحديث: مسند أحمد، وهذا الحديث ليس موجوداً فيه الآن.
2 ـ قوله(ص):”أنا مدينة العلم وعلي بابها”،مصادره كثيرة،ومن مصادره صحيح الترمذي،ينقل عن صحيح الترمذي هذا الحديث في جامع الأُصول لابن الأثير،وأيضاً في تاريخ الخلفاء للسيوطي،وأيضاً في الصواعق لابن حجر،والفضل بن روزبهان يعترف بوجود هذا الحديث في صحيح الترمذي ويحكم بصحّته،وأنتم لا تجدونه الآن في صحيح الترمذي،وكم لهذا من نظير!.
3 ـ لاحظوا هذا الحديث في صحيح مسلم، يروي هذا الحديث مسلم بن الحجّاج بسنده عن شقيق، عن أُسامة بن زيد، قال شقيق : قيل له ـ أي لأُسامة ـ : ألا تدخل على عثمان فتكلّمه ؟ فقال : أترون أنّي لا أُكلّمه إلاّ أُسمعكم، والله لقد كلّمته فيما بيني وبينه، ما دون أنْ أفتتح أمراً لا أُحبّ أن أكون أوّل من فتحه، ولا أقول لأحد يكون عليّ أميراً إنّه خير الناس بعدما سمعت رسول الله يقول : يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندرق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون : يا فلان مالك ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول : بلى قد كنت آمراً بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه .
قيل له : ألا تدخل على عثمان فتكلّمه ؟ قال : قد كلّمته مراراً، وناصحته، وأمرته بالمعروف ونهيته عن المنكر، لكن لا أُريد أنْ تطّلعوا على ما قلته له، كلّمته بيني وبينه ..ثمّ ذكر هذا الحديث عن رسول الله . صحيح مسلم ج8، ص224.
ولا بأس أن نبين لكم ما في صحيح البخاري، لتعرفوا كيف يحرّفون الكلم:قال: قيل لأُسامة :ألا تكلّم هذا ؟ قال: قد كلّمته ما دون أن أفتح باباً أكون أوّل من يفتحه، وما أنا بالذي أقول لرجل بعد أن يكون أميراً على رجلين: أنت خير،بعدما سمعت من رسول الله يقول:يجاء برجل فيطرح في النار فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار، فيقولون : أيْ فلان، ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول :إنّي كنت آمر بالمعروف ولا أفعله.
لاحظوا كم اختصر من الحديث من الأشياء التي قالها أُسامة بالنسبة لعثمان،وليس في نقل البخاري هنا اسم عثمان،قيل لأُسامة:ألا تكلّم هذا، فمن هذا ؟ غير معلوم في هذا الموضع، ألا تكلّم هذا ؟
أمّا في موضع آخر،يذكره على العادة: فلان ألا تكلّم فلاناً،مع الاختصار للحديث. صحيح البخاري،ج4، ص687.
قال:قيل لأُسامة:لو أتيت فلاناً فكلّمته ؟ قال : إنّكم لترون أنّي لا أُكلّمه إلاّ أسمعكم، إنّي أُكلّمه في السرّ دون أن أفتح باباً، لا أكون أوّل من فتحه، ولا أقول لرجل إن كان عليّ أميراً إنّه خير الناس، بعد شيء سمعته من رسول الله، قالوا : وما سمعته يقول ؟ قال : سمعته يقول … إلى آخره .
أيضاً مع اختصار في اللفظ، وقد رفع اسم عثمان ووضع كلمة فلان . صحيح البخاري،ج2، ص566،هذا بالنسبة إلى عثمان .
4 ـ وأمّا بالنسبة للشيخين فسننقل لكم حديثاً آخر في صحيح مسلم ثمّ نقرأ ما جاء في صحيح البخاري:
في حديث طويل يقول :ثمّ نشد عبّاساً وعليّاً ـ نشد أي عمر بن الخطّاب ـ بمثل ما نشد به القوم أتعلمان ذلك ؟ قالا : نعم، قال : فلمّا توفي رسول الله قال أبو بكر: أنا وليّ رسول الله، فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها ـ يعني علي(ع) والعباس ـ فقال أبو بكر : قال رسول الله(ص):ما نورّث ما تركنا صدقة، فرأيتماه ـ عمر يقول لعلي والعباس ـ فرأيتماه، أي فرأيتما أبا بكر كاذباً آثماً غادراً خائناً، ثمّ يقول عمر : والله يعلم إنّه لصادق بارّ راشد تابع للحقّ، ثمّ توفّي أبوبكر وأنا ولي رسول الله وولي أبي بكر، فرأيتماني كاذباً آثماً غادراً خائناً، والله يعلم إنّي لصادق بارّ راشد تابع للحقّ..فولّيتها ثمّ جئتني أنت وهذا، وأنتما جميع، وأمركما واحد، فقلتما إدفعها إلينا..إلى آخر الحديث .
ومحلّ الشاهد هذه الجملة:فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً،فرأيتماني كاذباً آثماً غادراً خائناً . صحيح مسلم ( ج5/ص152 ) في باب حكم الفيء من كتاب الجهاد.
ولننظر في صحيح البخاري:ثمّ قال لعلي وعباس : أُنشدكما بالله، هل تعلمان ذلك ؟ قال عمر : ثمّ توفّى الله نبيّه، فقال أبو بكر:أنا ولي رسول الله فقبضها أبو بكر،فعمل فيها بما عمل رسول الله، والله يعلم إنّه فيها لصادق بارّ راشد تابع للحقّ.
فأين صارت الجملة : فرأيتماه ..والله يعلم إنّه فيها لصادق بارّ راشد تابع للحقّ.
ثمّ توفّى الله أبا بكر، فكنت أنا ولي أبي بكر، فقبضتها سنتين من إمارتي، أعمل فيها بما عمل رسول الله، وما عمل فيها أبو بكر، والله يعلم إنّي فيها لصادق بارّ راشد تابع للحق . فرأيتماه إلى آخره .. فرأيتماني إلى آخره . صحيح مسلم ،ج2، ص 506.
أمّا في المجلّد الرابع يقول : فتوفّى الله نبيّه فقال أبو بكر : أنا ولي رسول الله، فقبضها فعمل بما عمل به رسول الله، ثمّ توفّى الله أبا بكر فقلت : أنا وليّه وولي رسول الله، فقبضتها سنتين أعمل فيها ما عمل رسول الله وأبوبكر، ثمّ جئتماني وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع … إلى آخره . صحيح مسلم،ج4، ص552. هذا فيما يتعلّق بالشيخين .
ولماذا هذا التحريف ؟ لأنّ عمر بن الخطّاب ينسب إلى علي والعباس أنّهما كانا يعتقدان في أبي بكر وفي عمر أنّ كلاًّ منهما كاذب غادر خائن إلى آخره، وهما يسمعان من عمر هذا الكلام، ولم نجد في الحديث أنّهما كذّبا عمر في نسبة هذا الشيء إليهما، وسكوتهما على هذه النسبة تصديق، وحينئذ يكون الشيخان بنظر علي والعباس كاذبين خائنين غادرين، وإلى آخره .
ونحن لا نقول هذا الحديث صدق أو كذب، نحن لا ندري بأصل القضيّة، إنّما ننظر في الصحيحين والفرق بين الروايتين، أمّا لو أردتم أن تستفيدوا من هذا الخبر أشياء فالأمر إلى من يبحث عن الحقيقة،ولسنا الآن بصدد التحقيق عن مفاهيم هذا الحديث ومداليله،وإنّما أردنا أن نذكر الفرق بين الشيخين البخاري ومسلم في نقلهما للخبر الواحد،أي لقضيّة واحدة .وهذه من جملة الموارد،وقضيّة عثمان مورد آخر،وهكذا موارد أُخرى.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.