سيد الأباريق وكلاب المسؤولين..!

يحكى أن رجلاً في بغداد أيام زمان؛ ضاقت به سبل العيش، فطلب العمل في كل مكان ، فلم يجد إلا عملا في أحد المرافق الصحية العمومية، يومها لم تكن شبكات مياه عمومية، ولم تكن هناك شبكة صرف صحي، فالمياه يجلبها السقائون من دجلة،بقرب يحملونها على ظهور الحمير، ويفرغونها بخزانات خشب مطليقة بالقير!
كانت وظيفة ومسؤولية صاحبنا، تتمثل في ملء الأباريق، والتأكد من أنها مليئة بالماء، بحيث يأتي الشخص؛ ويأخذ أحد الأباريق ويقضي حاجته، ثم يرجع الإبريق إلى صاحبنا الذي يقوم بإعادة ملئها للشخص التالي وهكذا، وبين الفينة والفينة يقوم بتنظيف المراحيض.
في إحدى المرات؛ جاء شخص وكان مستعجلا، فخطف أحد هذه الأباريق بصورة سريعة، وانطلق نحو دورة المياه، فصرخ به صاحبنا الذي احدثكم عنه؛ بقوة مناديا عليه أن تعال! فرجع الرجل على مضض، وأمره مسؤول الأباريق، بأن يترك الإبريق الذي في يده، ويأخذ آخر بجانبه، فأخذه الشخص ثم مضى لقضاء حاجته، وحين عاد لكي يسلم الإبريق؛ سأل مسؤول الأباريق: لماذا أمرتني بالعودة وأخذ إبريق آخر، مع أنه لا فرق بين الأباريق، فقال مسؤول الأباريق بتعجب: إذن ما عملي هنا؟
نجد مثل هذا الرجل إينما نلتفت حولنا، وثمة من يريد أن يشعرك دائما بأهميته، وأنه آمر ناهٍ، وأنه سيد المحيط الذي يشغله، مع أن عمله لا يقتضي كل هذه التصرفات!
إنه سيد الأباريق!
تجده في كل زاوية من زوايا حياتنا، فهو موجود في مؤسسات الدولة، وفي الجامعات والمدارس، في مكاتب الأحزاب السياسية ومنظمات النفع العام، في الأسواق والمساجد، بل وحتى في سيارة النقل العام الكيا!
إنه ليس وزيرا أو مديرا عاما، ولا موظفا بدرجة مهمة، بل هو موظف الخدمة في اي مؤسسة حكومية، وهو موظف الإستعلامات، اينما اقتضى وجود مثل هذه الوظيفة، والشرطي الذي يقف على الباب، وسكرتير أو سكرتيرة المدير.
مهمة سيد الأباريق في المجالات الحيوية التي ذكرناها، تتمثل بأنه متربع دائما بالرفض، هو الذي يحدد ما يجوز وما لا يجوز، وما يصح وما لا يصح، برغم أن ذلك ليس من مهامه، ولأنه بلا عمل ذي تاثير في بناء المواقف، وصناعة القرار، يمنح لنفسه تلك السلطات، الغريب في الأمر، هو أن من يعمل تحت يدهم، يقبلون بما منح نفسه من صلاحيات، وتكتشف أنهم بحاجة الى كلب ينبح عند أبوابهم!
كلام قبل السلام: إنها عقدة الإستعلاء الفارغ، النابع عن مركبات الإحساس بالدونية، والشعور بالنقص.
سلام….

قاسم العجرش

qasim_200@yahoo.com

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.