رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم».. نظرات مقارنة

 

علي العلي
إن شخصية الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تخص جماعة أو طائفة معينة من الناس؛ لأنها شخصية عالمية يهتم بها الجميع يقول تعالى:”وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، فلو تأملنا في تاريخ البشرية لما وجدنا شخصاً أو حركة استطاعت أن تترك تأثيراً في مجتمعها وفي محيطها وفي تاريخ البشر كما فعل رسول الله (ص)، لهذا نجد أن جميع المدارس الفكرية قد أقرت وشهدت له(ص) بالفضل والعظمة. ولكن!، اختلفت المدارس الفكرية فيما بينها في تعريف هذا الرسول العظيم وإبراز شخصيته وكيف تكون عظمته،ومن هذه المدارس:
1: المدرسة الحداثية المادية :
الحداثيون في تعريفهم لرسول الله ينحون منحى مادياً،إذ هم لم ينظروا الى رسول الله(ص) من جهة الغيب والماورائية, بل نظروا إلى “إبداعات” رسول الله في نطاق المادة فقط ، فقد عرّفوا النبي أو الرسول بأنه شخص يمتلك قدرات ذهنية وطاقات فكرية لا نظير لها , وهذه القدرات جعلته قادراً على التنظير والتشريع لنفع البشرية . فهو بحسب هذه النظرة المبتسرة رجل مفكر جاء بفكر جديد للأجيال. وهذا التعريف لرسول الله(ص) ناشئ من تعريفهم “الوحي”، إذ إن الحداثويين يعتقدون بأن الوحي ليس ظاهرة غيبية وإنما هو ظاهرة بشرية ، فالوحي عندهم حركة باطنية وداخلية في نفس النبي يبرزها ويطرحها على أنها رسالة من السماء، ومن ذلك تعريف “محمد أركون” للوحي بقوله: هو حدوث معنى جديد في الفضاء الداخلي للإنسان نتيجة تأثره بالظروف الاجتماعية والثقافية .
وعند مناقشة هذا التعريف الذي يحاول تأطير صورة الوحي بزعم كونه جهداً شخصياً،رامياً إلى أن كل ما جاء به رسول الله(ص) من نصوص قرآنية وأحاديث وأفعال وتقريرات إنما هو جهد ذاتي منغلق بحت,وهذا معنى إمكانية أن تكون النتائج أكبر من المقدمات،وهذا أمر باطل،فقد جاء رسول الله(ص) بإشارات واقعية ودقيقة إلى نتائج علمية في شتى العلوم كعلوم: الفلك، والطبيعيات، والتشريعات وهذه نتيجة. أما مقدمات النتيجة التي استندوا إليها فهي أن رسول الله(ص) شخص عادي تأثر بالمحيط الجاهلي،فالمفترض أن النتيجة تتساوى مع المقدمات. إلا أننا وجدنا غير ذلك،إذ إن النتائج التي جاء بها رسول الله(ص) فاقت حد المقدمات وبهرت العقول،والنتيجة الكلية هي أنه قد ثبت أن هناك مقدمة خارجية غيبية أيدته(ص) فأنتجت تلك النتائج .
2: المدرسة الإسلامية السنية:
وهذه المدرسة قد صورت رسول الله(ص) بأنه آلة تتلقى الوحي لتقوم بعدها بالتبليغ فحسب, فرسول الله(ص) بنظرهم يسمع الوحي ثم يبلغه،ولا يحتاج ذلك إلى وجود كمال في نفسه(ص)، ويفهم المعتقدون بهذا أيضاً أن رسول الله(ص) حينما يكون في مجال التبليغ فهو معصوم عن الخطأ،أما في غير التبليغ فهو في الناس واحد منهم لا مزية له عن غيره، بل وفي بعض الأحيان يكون أقل من غيره!..وهذا الاعتقاد ناشئ عن تصوير الوحي تصويراً خاطئاً،فقد ذكر البخاري عن عائشة أنها قالت:”أن جبريل نزل بغار حَراء على رسول الله (ص)،وكان حينها يتعبَّد في ذلك الموقع؛فقال له: يا محمد، اقرأ. قال: ما أنا بقارئ، فأخذه، وغطَّه، حتى بلغ منه الجهد، وفي رواية: حتى كاد يموت، فلما أشرف على الموت أطلقه. ثم قال له: يا محمد، اقرأ، قال: ما أنا بقارئ. فأخذه، وغطَّه، وضمه ضمًّا شديدًا، حتى بلغ منه الجهد، وحتى كادت روحه تزهق، ثم أطلقه. ثم قال له: يا محمد، اقرأ، اقرأ باسم ربك الذي خلق – فتلا عليه الآيات-.. فنزل محمد (ص) من الجبل، وذهب إلى بيت السيدة خديجة مرهوبا، مرعوبا، مضطرباً، خائفًا، وقال: زمِّلوني زمِّلوني…
أقول: هل يعقل أن يتعامل الملك المقرب من الله تعالى مع رسول الرحمة بهذا الأسلوب الجاف؟،ولا أعتقد أن رسول الله(ص) يقبل بذلك,وهل يعقل كما في كثير من الراويات أن رسول الله(ص) كان لا يعلم؟!،وهل هذا الذي أتاه وحي أم مس من الشيطان؟!.
3: المدرسة الإسلامية الإمامية “مدرسة أهل البيت(ع)”
فقد عرّفوا الرسول الأعظم(ص) بأنه يمتلك في داخله كمالاً وقوة قدسية أودعها فيه الله تعالى وجعله يعيش حالة التكامل وحالة الكشف لجميع الحقائق,كما في رواية عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) أنه قال:”سألته عن علم الإمام بما في أقطار الأرض وهو في بيته مرخى عليه ستره،فقال (ع): يا مفضل إن الله تبارك وتعالى جعل في النبي (ص) خمس أرواح: روح الحياة فبه دب ودرج ،وروح القوة فبه نهض وجاهد، وروح الشهوة فبه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال، وروح الإيمان فبه آمن وعدل، وروح القدس به حمل النبوة , وروح القدس , لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو ،وأربعة الأرواح تنام وتغفل وتلهو و تزهو، وروح القدس كان يرى به ( أي ما في أقطار الأرض وهو في بيته). أقول : ليس من الإنصاف القول إن رسالة السماء العظيمة يناسبها لتنزل إلى الخلق وساطة عادية وكيفما اتفق وعبر أي إنسان،فهذا استخفاف بثقل محتواها ومكانتها،أي أن من يتلقى الوحي الإلهي لا بد من توفره على صفات روحية ووجودية خاصة ومتميزة في جميع مراحل حياته الدنيوية ليكون أهلاً للتشريف بملامسة ألطاف العظمة..

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.