الإمام الخميني «قدس سرّه» والمفهوم الأعم للوحدة

kuiuu

طرح فكرة “وحدة العالم الإسلاميّ ” هي من الهواجس القديمة للإمام الخميني (قدّس سرّه) في مراحل نشاطاته الإجتماعية-السياسية كافة،قبل وبعد انتصار الثورة الأسلامية،والتي لم يغفل عنها لحظة واحدة. فوفاء الإمام (قدّس سرّه) الصادق للوحدة لم يجعل منه واحداً من أبرز المفكرين في العالم فحسب، بل وثّق وثبّت من مكانته الرفيعة بين الفرق والنحل الإسلامية المختلفة كافة؛فلم يتناول الامام (قدّس سرّه) في طرحه لموضوع “الوحدة” الموضوع بشكل جزئيّ وسطحيّ مطلقاً، بل دقّق في الأبعاد المتنوعة للوحدة بشقّيها النظريّ والعلميّ، وأسدى توضيحات مفصّلةً حول هذا الموضوع بينها من خلال كلماته وخطبه ومسيرة كفاحه الطويلة..الوحدة بعنوان ضرورة
كان الامام الخمينيّ (قدّس سرّه) مدّركاً بشكل جيد تأثيرات التفرقة،وكان يعلم أنّ التفرقة بين أبناء الأمة الإسلامية في أبعادها المختلفة السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية لها تأثيراتها السلبية العميقة بشكل يصعب التغلّب عليه،ويحتاج إلى زمن مديد. والسبيل الوحيد للحدّ من هذه التأثيرات والصدمات المتوقّعة هو الوحدة والأخوة التي يجب أن تكون محوريتها الإسلام وتعاليمه الباعثة لحياة أفضل. الامام (قدّس سرّه) في تشخيصه لضرورة الوحدة، كان بصدد إرشاد الأمة الإسلامية إلى الطريق والصراط المستقيم الإلهيّ. ومن أولويات ضرورة الوحدة برأي الامام (قدّس سرّه) النهضة في سبيل اللّه، وإصلاح المجتمع البشريّ، وهذا يحتاج إلى بسط العدالة في العالم، والضرورة الأخرى هي الوقوف بحزم بوجه مؤامرات وتفوّق الاستكبار العالميّ. فقد (قدس سره) يسعى لإيجاد الوحدة والتآلف بين المسلمين، وإعانة جميع الأمم الإسلامية من أجل نيل استقلالها وحريتها، لذا كان يعتقد أنّ حصول المسلمين على إستقلالهم وحريتهم هو مفتاح الانتصار والوصول إلى وحدة الكلمة، وعدم السماح للاستكبار العالميّ التدخّل بقوانين الدول الإسلامية.
كما كان الامام الخمينيّ (قدّس سرّه) يعد أنّ الوحدة ضرورية لأجل اقامة السلام،وكان يقول:”ترغب الجمهورية الإسلامية العيش بسلام وصفاء مع جميع الدول المجاورة” (صحيفة الامام،المجلد السابع عشر،ص 396) وقال في حديث آخر ” أتمنّى أن يسود السلام في العالم علی أساس استقلال الأمم،وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية لهذه الأمم،ومراعاة السيادة علی أراضيها.”(صحيفة الامام،المجلد الثاني عشر،ص 153). ويرى الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه) أنّ الحكومة الإسلامية حكومة حرّة مستقلة، وتلتزم بأمر واحد في علاقاتها مع الشرق والغرب، وهو إذا ما كان لهؤلاء علاقات حسنة، فإنّ الدولة الإسلامية ستكون لها نفس العلاقات المتبادلة مع هذه الدول، وفي الوقت ذاته فإنّها لا تسمح بالتدخّل والتلاعب بمقدرات الدولة الإسلامية، لذا فهو يقول :” لنا علاقات حسنة مع جميع الأمم،وكلّ المستضعفين في العالم شريطة أن تكون هذه العلاقات على أساس الاحترام المتبادل.”(صحيفة الإمام،المجلد السادس،ص 220).
مستلزمات وإمكانيات الوحدة
إن فكرة الوحدة لدى الامام الخميني (قدّس سرّه) تحتاج إلى مستلزمات وأدوات حتى يكون تحقيقها ممكناً.وسنذكر بعض أهم هذه الأدوات:
أـ العدالة: والعدالة من أهم ضروريات الوصول إلى الوحدة،لأنّ التوحيد يتطلب العدالة،ولأجل إيجاد الوحدة الإسلامية لابدّ من العدالة الإسلامية كأرضية لأجل توسعة وإنتشار الوحدة،لأنّ الوحدة لا تتحقّق أبداً مع وجود الظلم في المجتمع. يقول الإمام(قدّس سرّه) :” إنّ الأنبياء من آدم إلى رسول الله محمد(ص) جاؤوا من أجل رفع راية التوحيد والعدالة بين الأمم.” (صحيفة الامام، المجلد السابع عشر،ص 98) “.
ب ـ الإستقلال والحرية: أما الاستقلال والحرية فهما أيضاً من المستلزمات الأخری لتحقيق الوحدة،وحتى أنه يمكن القول أنّ الاستقلال الحقيقيّ للدول الإسلامية من أهم هذه المستلزمات يقول (قدس سره):”في الوقت الذي نستطيع أن نقف أمام كلّ العالم ونقول لهم نحن لسنا موالين للمغضوب عليهم ولا للضالين،لسنا موالين للغرب ولا للشرق،في الوقت الذي نستطيع أن نكون هكذا، ونلتزم الصراط المستقيم ونعمل به، عندما نكون متّحدين وكلّنا يد واحدة.” (صحيفة الامام المجلد التاسع عشر، ص 327).
ج ـ العقائد المختلفة لا تستلزم الخلافات الخارجية :نعلم أنّ البشر قد خلقوا ذاتياً متفاوتي العقائد والأذواق. وعلى هذا الأساس فالمسلمون أيضاً لهم عقائدهم وآراؤهم المختلفة، وهذا الاختلاف يتسبّب في إيجاد الحساسيات والصدامات الكثيرة فيما بينهم. ولكن في نظر الامام الخمينيّ (قدّس سرّه) أنّ اختلاف العقائد لا يستوجب عدم التوحّد،ونستطيع أنّ نكون موحّدين أيضاً مع وجود العقائد المختلفة.
لذا يجب على كلّ البشر وتباعاً لهم كلّ المسلمين ألا يهتموا بعقائدهم وأذواقهم الشخصية والحزبية والطائفية. ويقومون بالتأكيد على الأصول الإنسانية والإسلامية المشتركة،حول محور الوحدة، لتهيئة أرضية الحكم الإسلاميّ في كل جوانبها.. كان الامام الخمينيّ (قدّس سرّه) يستفيد من الإمكانيات الموجودة من أجل تحقيق هدفه السامي (الوحدة).
د ـ فلسطين ويوم القدس :وكذلك كان (قدس سره) يسعى لإيجاد إمكانيات جديدة إحدى هذه الإمكانيات هي مسألة فلسطين وإحتلالها من الكيان الصهيوني الغاصب.والخلاف مع إسرائيل المحتلة لأرض المسلمين، وقتلها المسلمين الساكنين في هذه الديار، وتهجيرهم من أراضيهم ومساكنهم، وقد ارتكبت أكبر جريمة في تلك الأيام. لذا فإنّ الامام (قدّس سرّه) قد سمّى آخر جمعة من شهر رمضان المبارك “بيوم القدس العالميّ” لكي يتحرك العالم الإسلاميّ بأسره في مثل هذا ويعلن غضبه وحقده علی إسرائيل اللقيطة.
هـ ـ الحج:المراسم السنوية للحجّ الإبراهيميّ مطلب آخر كان الإمام(قدّس سرّه) يستفيد منه لأجل تحقيق وحدة الأمة الإسلامية، ويوظّفها لهذه الغاية،ومراسم البراءة من المشركين والتي كادت أن تصبح طي النسيان،أحياها مرةً أخرى الإمام الراحل(قدس سره) حتى يشارك جميع الحجاج ومن كافة أقطار العالم في تظاهرة البراءة من المشركين،وهي نموذج مصغّر لوحدة المسلمين ليدركوا آلام بعضهم البعض،ويضعوا الحلول المناسبة لها،وفي الوقت نفسه يجب أن يدركوا أنّ “مكة المكرّمة” و”المدينة المنوّرة” هما مرآة الأحداث الكبيرة لنهضة أنبياء الإسلام ورسالة النبيّ الأكرم(ص).
أهداف الوحدة
يمكن تقسيم أهداف الامام الخمينيّ (قدّس سرّه) في هدفه السامي (الوحدة) حسب المعايير التالية وهي:
أولاً: الأهداف الداخلية: الاستقلال والتحرّر، رفع أيدي الأجانب، العظمة والعزة، ترويج أهداف الإسلام، تحقيق الإسلام بكلّ جوانبه ومن ضمنها إستقرار حكومة ديمقراطية واقعية ليست كديمقراطية الغرب والشرق الفاسدة،والمحافظة علی الثورة الإسلامية، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
ثانياً:الأهداف الخارجية: إيجاد المعرفة لكلّ البشر،نشر السلام والطمأنينة في العالم،تطبيق الديمقراطية والحرية الحقيقية، تحقيق ثورة عارمة في سائر أرجاء العالم مقابل مصاصي الدماء وأعداء البشرية من المستكبرين،توثيق الاستقلال الذاتيّ، وعدم الإحساس بالحقارة أمام الحكومات المستبدة الظالمة،اكتساب حقّ تقرير المصير بين الشعوب،وإيقاظ الحكومات، استقرار وسيادة الإسلام في أرجاء العالم،تشكيل أمة قوية،تحقيق الهوية الإسلامية والتخلّص من الفقر العلميّ.
إن هدف الامام (قدّس سرّه) المستقبليّ في تحقيق السلام والطمأنينة في العالم بأسره، وإستقرار الحرية الحقيقية وإنتشار العدالة فيه،وتهيئة الأرضية المناسبة للبشر من أجل الوصول إلی معارف جديدة،واستقرار حكومة إسلامية في كافة أرجاء العالم لكي تخلق أمةً موحّدةً قويةً ذات بنيان مرصوص، مع تشكيل جيش مشترك يدافع عن الكيان الإسلاميّ والأمة الإسلامية،ولا يسمح أبداً للمستعمرين والمستكبرين بنهب خيرات هذه البلدان. وعلى صعيد المجلات والحقول تقسّم هذه الأهداف في إلى : سياسية،اقتصادية،اجتماعية،ثقافية وعسكرية.
ـ الأهداف السياسية: استقلال وتحرّر المسلمين في أنحاء العالم كافة،استتباب السلام والطمأنينة في العالم،تطبيق الديمقراطية والحرية الحقيقية،حقّ تقرير المصير..
ـ الأهداف الاقتصادية: تحقيق الاستقلال والاكتفاء الذاتيّ،نشر وبسط العدالة الاقتصادية،نشر أهداف الإسلام في العالم، الوقوف بوجه الاستعمار والإستكبار،الاستثمار الموارد الاقتصادية الذاتية.
ـ الأهداف الاجتماعية: تحقيق العدالة الاجتماعية،منع الفساد والفحشاء وكلّ أنواع الانحرافات،استتباب السلام والأمان، الإنتباه واليقظة من نوم الغفلة بالنسبة للشعوب الإسلامية خاصة وشعوب العالم عامة.
ـ الأهداف الثقافية: المحافظة على العظمة والعزة،بقاء واستمرار الثورة الإسلامية،منع الفساد والفحشاء وإبادة مراكز الظلم والفساد،الحصول على الإستقلال الروحيّ وعدم الإحساس بالاحتقار أمام الأعداء،إيجاد الهوية الإسلامية والتخلّص من الفقر العلميّ في المجتمعات الإسلامية.
ـ الأهداف العسكرية: تشكيل جيش إسلاميّ مشترك للدفاع عن كيان الإسلام، وإغلاق القواعد العسكرية الشرقية والغربية في الدول الإسلامية،التهيؤ والتحضر للحرب مع الكيان الصهيوني لاستعادة فلسطين.
كلمة ختام
من هنا نرى كيف استلهم الإمام (قدّس سرّه) الأهداف السامية للوحدة من حسه بضرورة الوقوف بوجه التشتّت والتفرقة بين الأمة الإسلامية،والتي جلبت لها نتائج مذلّة لا يمكن تلافيها، لأنّ الأجانب ببسط سيطرتهم على المسلمين والمجتمعات الإسلامية قد شتّتوا هذه المجتمعات؛ ففقد المسلمون شخصيتهم وعزّتهم الإنسانية،وبقوا بأغلبهم متخلفين في معظم النواحي،وفقدوا استقلالهم وحريتهم وعظمتهم، وأصبحوا تابعين للاستكبار. ومع ملاحظة هذه الشروط المذلّة شعر الإمام (قدّس سرّه) بضرورة الوحدة وأهميتها القصود،وهبّ لأجل إصلاح المجتمع البشري وإيجاد التآلف الإسلامي فيما بينهم، والأعمّ من هذا إيجاد التآلف بين مستضعفي العالم،ومنع تدخّل القوى الكبرى في مقدرات الدول الإسلامية،وإرشادهم إلى طريق الانتصار. وقد استطاع الامام (قدّس سرّه) أن يطرح نظريته الهادفة للوحدة بحافز الدفاع عن كيان الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبناء الإنسان، وكسب الاستقلال والحرية والعزة لكلّ البشر والمسلمين، ونشر العدل الإلهي والإسلام في العالم، ومنع الاختلاف والتفرقة. ويعتقد الامام (قدّس سرّه) أنّ أبعاد الوحدة شاملة ودائرتها تتسع لكلّ البشر،ولمسلمي العالم،وكلّ المذاهب الإسلامية،وحتى الأديان السماوية الأخرى. وكان يسعى وراء أهداف مختلفة في النواحي والجوانب السياسية والإقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية في الجبهتين الداخلية والخارجية، ولمدة زمنية قصيرة، متوسطة، وطويلة الأمد.وعلى ذللك نستنتج أنّ الوحدة التي أرادها الامام (قدّس سرّه) أعطت ثماراً كثيرةً للمسلمين،وستستمر في عطائها مستقبلاً. وهذا هو سبب الانتصار ورمز البقاء الإسلامي.فالإمام لم يمت وإن ضمه التراب بل مازال حاضراً فينا بكل ما تحمل الكلمة من معنى كيف لا،وتلميذه النجيب البار وخليفته الإمام الخامنئي(دام ظله) فينا؟!.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.