ما سر إنقلاب العراقيين على طاعة السلطان العثماني بين عشية وضحاها ؟

غهغعه

بعد ان استفحل مرض الطاعون واهلك جمعا من اهالي بغداد لم يسلم منه حتى واليها داود باشا ، عين الوالي جنودا لتنظيفها ، وخصص مبلغا من المال لنقل كل جثة ، وكانت تلك الجثث مرمية في الطرقات والاسواق والبيوت مما ادى الى تعفن الهواء حدا لايطاق ، قام الجنود برمي الجثث في نهر دجلة من غير تكفين بعد ان يتم شدها من ارجلها بالحبال وربطها بذيول الحيوانات لسحبها حتى شاطىء النهر وهي مقلوبة على وجوهها ، بعد ان خفت وطأة الطاعون وبدأ الذين هربوا من بغداد بالعودة الى بيوتهم ، انتشر خبر قدوم الجيش العثماني الى بساتين الكاظمية على مبعدة اميال قليلة من شمالي بغداد ، ارسل قائد الجيش العثماني علي رضا باشا طلائع من قواته بامرة قاسم باشا العمري يرافقه ( صفوك ) شيخ عشيرة شمر وسليمان الغنام احد شيوخ ( عكيل ) ، وبعد ان وصل قاسم باشا بغداد قادما من الموصل ، ارسل رسله الى علماء بغداد واعيانها يدعوهم الى طاعة السلطان وطرد الوالي المعزول داود باشا يساعده في ذلك اخوه قاضي بغداد .
كان الوالي داود باشا لا يزال يعاني اثار مرض الطاعون الذي اصيب به وقد تخلى عنه خدمه وحرسه ولم يبق الا عدد قليل منهم معه لا يتجاوز الخمسين فردا ،مما كان يدفعه الى ان يستسلم للجيش القادم ، فوجىء داود باشا في احد الايام بتظاهرة اتية من محلة باب الشيخ وتردد هتافات معادية له يتقدمها رؤساء واعيان المحلة واحاطوا بسراي الحكومة واشعلوا النيران في احد ابوابه مما دعا احد عبيده الى اطلاق النار على المتظاهرين ادت الى اصابة بعضهم وفرار بعضهم الاخرومن دون علم الوالي او الحصول على اذن منه .خرج الوالي داود باشا متخفيا تحت جنح الظلام هوه وعبده الحبشي ( فيروز ) بعد ان ادرك موقفه الحرج والتجأ الى دار ( حبيبة خانم ) ، ولما انكشف امره في اليوم التالي ، جاءته مجموعة من الاعيان واخرجوه بكل احترام من تلك الدار وذهبوا به الى دار صالح بك بن سليمان الكبير كوديعة عنده لحين تسليمه الى الوالي الجديد عند قدومه الى بغداد ، وبعد دخول قاسم باشا العمري الى بغداد قادما من الكاظمية ، استقبله اهالي بغداد ، بمختلف طبقاتهم ، بالعز والاجلال …واعتقد قاسم باشا ان كل شيء قد انتهى وان بغداد اصبحت في قبضة يده ، لذا ارسل رسله الى الوالي علي رضا باشا يدعوه الى المجيء الى بغداد لتسلم مقاليد الحكم فيها ، غافلا عما يخبئه القدر له في صباح يوم 13 حزيران عام 1831 م ، ففي هذا اليوم ، وعندما كان قاسم باشا ينتظر تسليم داود باشا اليه في السراي ، سمع ضوضاء من الخارج كان مصدرها جماعة غفيرة من الناس تريد مهاجمة السراي يقودها محمود افندي النقيب ومؤلفة من الاهالي والمماليك وجماعة من عشيرة ( عكيل ) التي تسكن صوب الكرخ ، استطاعت هذه الجماعات ان تستولي على مخزن السلاح وتمطر السراي بالرصاص والقنابل .
في داخل السراي ، كان مع قاسم باشا ، الشيخ سليمان الغنام احد شيوخ ( عكيل ) ومعه نحو ثلاثة الاف من عشيرته الذين كانوا يدافعون عن السراي ، وهذا يعني ان عشيرة ( عكيل ) قد انقسمت الى قسمين ، قسم خارج السراي يريد مهاجمته ، والقسم الاخر في داخله يدافع عنه ، شعر سليمان الغنام انه يقاتل مع الطرف الخاسر ، فاسرع الى الخزينة مع رجاله ، فكسروها ونهبوا ما فيها ، ثم اشعلوا النار في السراي وخرجوا مع غنيمتهم باتجاه الباب المعظم والقوا بانفسهم في دجلة عابرين الى صوب الكرخ مما ادى الى غرق بعضهم اثناء العبور ، هجمت الجماهير المحيطة بالسراي عليه ودخلته تنهب ما فيه وتدمر ما بقي ، ولم تترك فيه شيئا من النفائس التي كان يقتنيها داود باشا ، وكانت النقود والمصوغات الذهبية والفضية تشاهد ملقاة في الازقة بعد سقوطها من ايدي (السراق ) ، اما قاسم باشا العمري فلم يُعرف له مصير ، لكن ( جيمس بيلي فريزر ) ذكر في روايته انه حينما تركه حرسه الخاص ، اقتاده احمد باشا ( التفكجي باش ) الى بئر قريبة والقاه فيها.
مما يسترعي النظر، سرعة هذا التحول العجيب في سلوك الجماهير البغدادية ، فنراهم قد انقلبوا بين عشية وضحاها من طاعتهم لأمر السلطان ، الى عصيانهم له ، فما السبب يا ترى في ذلك ؟ يحاول ( سليمان فيضي ) في كتابه ( تاريخ بغداد ) تعليل ما جرى ، وهو شاهد عيان على الاحداث ، فاشار الى الاعمال الفظيعة التي قام بها الاعراب من اتباع سليمان الغنام و ( صفوك ) في اثر دخول قاسم باشا العمري الى بغداد ، حيث اخذ هؤلاء يرتكبون المنكرات وينهبون الدور ويتعرضون بالنساء ، حتى ان ( صفوك ) امر اتباعه ان يأ توه بأرملة سليمان اغا وان يبحثوا عنها في اي مكان ، زاعما ان علي رضا باشا وهبها له ، ان هذه الفظائع في رأي سليمان فائق هي التي جعلت جماهير بغداد تثور على قاسم باشا وتتحدى امر السلطان ، بعد ان كانت قد اعلنت الطاعة له .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.