حكايات من الماضي القريب يهود أثيوبيا «الفلاشا» هجرتهم لإسرائيل وعلاقتهم بالعرب

خحجحخجح

2

وظل الإسرائيليون يصرحون بعدم موافقتهم على جلبهم إلى إسرائيل. وقالت غولدا مئير عندما كانت رئيسة للوزراء ” إنّ الفلاشا هنا سيكونون في حالة مزرية وموضوعاً للاستخفاف والاحتقار ” وعبّرت عن خوفها أن يكونوا جبهة مع السفارديم (اليهود الشرقيين)( ).
ونقل عنها كذلك أنها قالت: أليس عندنا مشاكل كافية فلماذا نحتاج إلى هؤلاء السود( ) ؟
وفي عام 1973م قال أحد الديبلوماسيين الإسرائيليين: « إنّ إسرائيل لا ترى أنطباق قانون العودة عليهم، وإذا أراد أحد هم أن يزور إسرائيل، فإنه سيعامل كأي إثيوبي يقوم بزيارة إلى هنا، وأنّ محاولتهم للهجرة تضر بهم لأن إسرائيل ليست متحمسة لاستقبالهم( ).
وعندما سئل وزير الدفاع الأسبق عزرا وايزمان عام 1979م في مؤتمر للطلاب في الولايات المتحدة عن الفلاشا قال: « هل تريدون أن تزعجوني بمشكلة الفلاشا كذلك، قولوا الحقيقة، هل هذه هي أهم مشكلة يجب ان نعالجها اليوم »( ).
ودخل بعض اليهود الإثيوبيين إلى إسرائيل على شكل أفراد في السبعينات وكان هؤلاء يطالبون الحكومة بمساعدة أبناء جلدتهم. لكن الحكومة كانت تهددهم بالسجن. وشكّل مناحيم ييغن رئيس الوزراء السابق عام 1979م لجنة لدراسة قضيتهم. لكن اللجنة لم تصل إلى نتيجة.
وغيرت حكومة إسرائيل رأيها في الثمانينات، وتم نقل الآلاف منهم إلى إسرائيل بين كانون الأول (ديسمبر) 1984م وكانون الثاني 1985م في “عملية موسى”، وكذلك هجر الآلاف منهم في “عملية سليمان” عام 1991.
ومنذ وصول اليهود الإثيوبيين في “عملية موسى”، كانت لهم مشاكل مع المؤسسة الدينية والحكومة. وكانت أولى هذه المشاكل وأعمقها أثراً عليهم وإهانة لهم، هو عدم الاعتراف بهويّتهم، إذ طلب منهم أن يؤدوا عملية التهوّد طبقاً لليهودية الارثودكسية. وقالت رئاسة الحاخامية في تبرير ذلك إنّ اليهود الإثيوبيين كانوا مقطوعين لمدة طويلة عن بقية اليهود الآخرين، ولم يلتزموا بالشريعة اليهودية بشكل كامل (إشارة إلى عدم اعتراف يهود إثيوبيا بالتلمود)، ويترتب على هذا عدم صحة عقود الزواج عندهم، وكذلك عدم صحة طلاقهم وهذا يؤدي إلى الشك في كونهم “ممزريم” ( جمع عبري، مفرده ممزر ويعني ولد غير شرعي). وهؤلاء طبقاً لليهودية الارثوذكسية لا يمكن أن يتزوجوا إلا من “ممزريم” مثلهم( ).
وقالت أيضا إنّه من أجل أن لا تكون هناك مشاكل لليهود الإثيوبيين في المستقبل، بخاصة قضايا الطلاق والزواج، فإنه يجب أن يتحولوا إلى اليهودية الارثودكسية (يهودية رئاسة الحاخامية في إسرائيل). والتهوّد الذي تطالب به رئاسة الحاخامية يتضمن الختان، مع أن اليهود الإثيوبيين يختتنون عادة. وتقول رئاسة الحاخامية إنّ الختان الذى مارسه اليهود الإثيوبيون هو ختان غير شرعي. وهناك أيضاً مراسيم أخرى يجب أن تطبق عليهم ويلتزموا بها.
وقد قبل بعضهم التهوّد، لكن أغلبهم رفض الفكرة واعتبرها إهانة بحقه وإذلالاً بل قالوا إنّها عنصرية واضحة لا تمت إلى الدين بصلة. وأكدوا أنهم طبقوا شريعة موسى منذ قرون طويلة كما فهموها من التوراة. وقال أحدهم: “نحن يهود وقد دفعنا ثمناً باهظاً من أجل أن نأتي إلى القدس، ومع ذلك فقد عوملنا بتفرقة من اليهود البيض” وقال أحد قسسهم (حاخاميهم) “إنّ هذه ليست طريقة إنسانية، لأّنه من العيب الكبير أن يمارس هذا العمل باسم اليهودية معنا”( ).وقال آخر ” نحن اليهود الإثيوبيين قد عزلنا أنفسنا عن الأغراب، وعادات الأغراب أكثر من أية جماعة يهودية أخرى، حتى لا نندمج ونفقد هويتنا. وقد كافحنا كثيراً ضد المشاكل والمصاعب من أجل أن نحافظ على عقيدتنا، وتطبيق التوراة إلى الحد الذي ضحينا بأنفسنا من أجل نلك. وكنا حتى الوقت الذي اكتشفنا فيه العالم اليهودي، نعتقد بأننا اليهود الوحيدون في العالم. ومع ذلك استمررنا على المحافظة بكل احتراز على ممارسة الفرائض. ونحن نطالب بالعدالة والمساواة ،لأن الشخص إما أن يكون يهودياً أو غير يهودي، وأن هذا الإذلال يجب أن يتوقف حالاً والى الأبد. وأنّ كل يهود أثيوبيا يجب أن يحترموا كيهود مثل أية جماعة يهودية أخرى( ). وقال أحدهم “عندما جئت إلى إسرائيل شعرتُ بأنني يهودي حر، وقد كانت مفاجئة أن أرى اليهود يقودون سياراتهم ويسمعون الراديو في يوم السبت، ومع كل هذه المخالفة فأنهم يطلبون مني أن أتهوّد. لقد كنتُ في إثيوبيا أشعر بأني يهودي في كل شيء، وقد مارست الشعائر طبقاً للتوراة لكنهم يقولون لي هنا، بأني لست يهودياً ويجب عليّ أن أتهوّد، إذاً فما فائدة السنين التي مارست فيها اليهودية في السابق؟( ).
وهدّد اليهود الإثيوبيون بالقيام بالمظاهرات والاعتصامات وهدّدوا بالرجوع إلى إثيوبيا عن طريق مصر للإعلان عن مشكلتهم( ).
وهدّد بعضهم بالانتحار. ولجأوا إلى الحكومة، واجتمعوا برئيس الوزراء في حينها شمعون بيريز، وقالوا له إنهم يهود منذ قرون طويلة، وأن طلب رئاسة الحاخامية منهم ان يتحولوا إلى اليهودية وأن يختتنوا ويغتسلوا ويؤدوا بعض المراسيم الأخرى، إنّما هو شيء مهين لهم، “وقد أخبروا بيريز بأن أفراداً منهم قد انتحروا بسبب ذلك ” ووعدهم بيريز بأن يجد حلاً لمشكلتهم خلال بضعة أسابيع فوافقوا على ذلك. واجتمع بيريز برئاسة الحاخامية، وبعد محادثات طويلة مع رئيسيها (الاشكنازي والسفاردي) أعلن بيريز بأن شرط الاغتسال غير مطلوب، ولكن يجب أن ندرس حالة كل شخص على انفراد. وتضمن البيان بأن المحاكم الدينية يجب أن تستشير حاخامي اليهود الإثيوبيين، لكن بعد صدور هذا البيان قال أحد المساعدين في رئاسة الحاخامية، بأن على كل يهودي يهاجر إلى إسرائيل يريد ان يتزوج يجب عليه أن يثبت أنه يهودي، وهذا يعنى أن اليهود الإثيوبيين عليهم ان يتحولوا إلى اليهودية الأرثودكسية، لأنه طبقاً لرئاسة الحاخامية ليس عندهم ما يثبت يهوديتهم. واحتجوا على ذلك واعتصموا أمام رئاسة الحاخامية لمدة شهر كامل، وكان بعض الإسرائيليين قد أيّدهم في مطالبهم مثل اليهود الإصلاحيين والمحافظين، (وهم من اليهود الذين لا تعترف بهم المؤسسة الدينية في الوقت الحاضر( ).وتظاهروا أيضاً عام 1992م حول القضية نفسها،أمام مكتب رئيس الوزراء إضافة إلى مطالبتهم بتحسين أحوال سكناهم في معسكرات الاستيعاب، التي قالوا عنها إنها في حالة سيئة. وقابلهم وزيران لاقناعهم بالتوقف عن التظاهر، لكنهم رفضوا، وحاول بعضهم دخول مقر رئيس الوزراء ولكنهم منعوا من ذلك. وقال أحدهم ” إنّ هؤلاء يعاملوننا مثلما يعاملون العرب، إنّنا نريد أن يشرف علينا يهود طبقاً لمعتقداتنا. وقال إن الحاخامية انتزعت كل صلاحيات حاخامي اليهود الإثيوبيين، ونحن لا نفهم عدم اهتمام الحكومة والسكان بنا”. أبرز مشكلة واجهها يهود أثيوبيا بعد وصولهم ،كانت مشكلة الإعتراف بهم التي تحدثنا عنها ثم مشكلة السكن، إذ ظل الكثير منهم يعيشون في بيوت متنقلة. وكان من هؤلاء من سكن لمدة طويلة في فنادق، إذ تحشر عوائل في غرفة أو غرفتين، من دون أن يكون في هذه الفنادق وسائل تبريد أو خدمات للطبخ.
واحتجاجا على ذلك، قام الأثيوبيون في عام 1992 بمسيرة مشياً على الأقدام من عسقلان إلى القدس، احتجاجاً على الحال السيئة التي يعيشون فيها، وقد شارك في هذه المسيرة حتى كبار السن والأطفال منهم وأيضا بعض النساء الحوامل. وبعد أن قطعوا عشرين كيلومتراً، وأصبح بعضهم في حال صحية خطرة، ذهب إليهم وزير الاستيعاب وقابلهم وتحدث إليهم، وطلب منهم إنهاء الاحتجاج والتوقف عن السير.وقد اشتكوا له الوضع المتردي لسكنهم، ووصفوا له البيوت التي يعيشون فيها بأنها تشبه صناديق كرتونية ضيقة وخانقة وحارة، وهي صغيرة لعائلة من ثمانية أشخاص أو أكثر كما قالوا. واشتكوا له أن السكن يخلو من وسائل الراحة الأساسية، والموظفون المسؤولون عن معسكرات البيوت المتنقلة يرفضون المساعدة. وطالبوا الحكومة ببيوت دائمة، ووعدهم الوزير بأنه سيحاول حل المشكلة خلال ثلاث سنوات. وقال له أحدهم أنّنا نريد عملاً حقيقياً، وإذا لم تحل المشكلة خلال ثلاث سنوات، فإن اليهود الإثيوبيين سينفجرون. ثم قال إنّنا لم نتعلم دروس ما حدث في المعسكرات المؤقتة في الخمسينات، وأنّ السكان لا يعرفون الصعوبات التي يواجهها أبناؤنا في المدارس، إذ هناك تفرقة ضدهم وأنهم يوضعون لسنوات في مدارس لوحدهم، وهناك الكثير من التمييز ضد اليهود الإثيوبيين عموماً، وهناك أيضاً القصص الأخرى حول أمراض اليهود الإثيوبيين( ). ومن المشاكل الاجتماعية المستحكمة بين الإثيوبيين مشكلة البطالة، إذ أن هناك مجموعات كبيرة منهم تعيش على المعونة الاجتماعية، ووصلت نسبة البطالة في بعض المدن إلى 81 في المائة، كما فى عسقلان، ولما كانت هذه المعونة الاجتماعية غير كافية، فإن بعض اليهود الأثيوبيين أخذوا يتحولون الى مسيحيين. وقد نقلت « The Jerusalem Report » في 10/8/1995 أنّ سبع عوائل إثيوبية يهودية من منطقة الناصرة العليا تحولت إلى المسيحية “في الأسابيع القليلة الماضية لينقذوا أنفسهم من الوضع الاقتصادي السيىء”،والحصول على مساعدات من الجمعيات التبشيرية.وهناك أيضاً المشكلة التي نشأت عن تخلف بعض أفراد العائلة أثناء “عملية موسى ” إذ أنّها توقفت فجأة فى حينها، وطلب من الذين تخلفوا أن ينتظروا في أديس أبابا لمدة قصيرة، لكن الفترة طالت لست سنوات، حتى ذكر بأن نسبة الأطفال الأيتام في هذه العملية وصلت إلى ما يقرب النصف من عدد الأطفال، وأنّ الكثير من الزوجات جئن من دون أزواجهن، وقد ولد بعضهنّ أولاداً غير شرعيين، وزادت مشكلتهنّ تعقيداً بسبب عدم إمكان تسجيل أبنائهن عن طريق المؤسسة الدينية. ويقول أحد المسؤولين الاجتماعيين إنّ هناك حالات كثيرة مثل هذه في إسرائيل.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.