شاهد يروي اللحظات العصيبة قبل نهاية العائلة المالكة

هحخحخ

1

اشتد الرمي على القصر، وشعرت العائلة المالكة بحصار ينذر بالموت. فيما كان عبدالسلام عارف يذيع بيانات الثورة ويعلن مقتل العائلة المالكة ويدعو الناس للهجوم على معاقل النظام.
وتبادل الحراس والقوات المهاجمة اطلاق النار. وسط أوامر ملكية بايقاف الرمي وترك المقاومة، وعدم تطوير الاحداث الى درجة قصف القصر.
اجتمعت العائلة المالكة في الحجرة الخلفية. بعد أن اقتحم الضابط عبدالستار السبع وثلة من القوات بهو القصر وتوجهوا الى الغرفة التي تجمع فيها افراد العائلة مع الملك. مصوبين رشاشاتهم نحو الملك والاميرات. وصاح الضابط الثوري بوجه الملك:
ـ اطلعوا للخارج. فرد الملك عليه:
ـ يا أخي على ويش كل هذي الرشاشات؟ شايفنا مسلحين؟
لكن الضابط فتح الباب وهو يصيح بهم:
ـ اطلعوا للخارج.
قبل الساعة الثامنة بقليل، فتح باب المطبخ، وخرج منه الملك وإمارات الرعب قد تجمدت على وجهه من هول الموقف، وبدا مرتديا ثوباً ذا كمين قصيرين وبنطالاً رمادي اللون، وينتعل حذاءاً خفيفاً، وخلفه سار الأمير ( عبدالإله ) مرتديا ثوباً وبنطالاً كذلك ، وقد وضع يده اليسرى في جيب بنطاله أما يده اليمنى فكانت ترفع منديلا ابيض.
وزاحمت الملكة ( نفيسة ) ولدها الأمير( عبدالإله ) على درج المطبخ ، ووقفت وراء الملك ورفعت القرآن عالياً بيدها فوق رأسه وهي تصر بأسنانها على أطراف الشرشف الذي يستر جسمها ، وخلفها سارت الأميرة ( عابدية ) وهي تنتحب وتولول ، ثم الأميرة ( هيام )، ثم إحدى خادمات القصر المسماة ( رازقية )، والطباخ التركي وخادم آخر، واثنان من جنود الحرس تركا بندقيتيهما في المطبخ.
خرج الجميع يتقدمهم المقدم ( محمد الشيخ لطيف )، والملازم أول ( ثامر خالد الحمدان )، وكان يقف في نهاية الرتل النقيب ( ثابت يونس ). وفي الباب كان العقيد ( طه ) ما زال يحاول أن يهدئ من سورة هيجان الضباط ، وخاصة النقيب ( مصطفى عبدالله ) الذي كان يرفع عقيرته بالصراخ ( اخرجوا أيها السفلة، أيها الخونة، أيها العبيد )، وخرج الجمع كله ليواجه نصف حلقة من الضباط وهم كل من : النقيب ( مصطفى عبدالله )، النقيب ( سامي مجيد )، النقيب ( عبدالله الحديثي )، النقيب ( منذر سليم )، النقيب ( حميد السراج )، الملازم أول ( عبدالكريم رفعت )، وعدد آخر من الملازمين والمراتب. ويقف خلف هؤلاء الضباط عدد آخر من الضباط والجنود ، وقد انتشروا في الحديقة وخلف الأشجار، وإلى خلف هؤلاء من اليمين واليسار كانت الجموع الغفيرة من العساكر والناس تقف متفرجة.
خرج الملك ( فيصل ) وسرعان ما رفع يده بالتحية العسكرية للضباط الموجودين أمامه، واغتصب ابتسامة رقيقة تراقصت على شفتيه ، وظهرت خلفه جدته وهي تحاول أن تجعل الجمع كله يشاهد القرآن بيدها، وبعدها سار الأمير ( عبدالإله )، وهو يتمتم ببضع كلمات غير مسموعة، ووجهه يكاد يكون ابيض، وزوى ما بين حاجبيه ، وهو يرى لأول مرة الضباط شاهرين رشاشاتهم بوجهه ، وتلفت يمنة ويسرة ليتطلع إلى بقية العساكر المنتشرين في الحديقة، ثم لم يلبث أن استدار إلى الخلف ليطمئن على زوجته وأخته اللتين جفت الدموع في مآقيهما ولم تعودا تعرفان ماذا تقولان أو تفعلان، وارتفع همس الملكة العجوز وهي تحاول أن تردد بعض الآيات من القرآن الكريم.
وتقدم النقيب ( مصطفى عبدالله )، وصرخ فيهم أن يجتازوا ممراً من الشجيرات ينتهي إلى باحة خضراء صغيرة، بجانب شجرة توت ضخمة وسط الحديقة، وقد تعلق بها نسناس صغير مربوط من رقبته بسلسلة معدنية، فاجتاز الجمع الممر، ووقفوا بشكل نسق يتطلعون إلى أفواه رشاشات الضباط الموجهة نحوهم. وفي هذه الاثناء كان النقيب ( عبد الستار سبع العبوسي ) داخل قصر الرحاب، فترك القصر ونزل هابطاً الدرجات الأمامية وسلاحه الرشاش بيده، واستدار إلى اليمين فشاهد الأسرة المالكة كلها تسير في صف تاركة باب المطبخ، وبعد أقل من نصف دقيقة كان النقيب ( العبوسي ) يقف خلف العائلة المالكة تماماً ، ويفصله عنهم خط شجيرات صغيرة على الأرض.
وبلمح البصر فتح نيران رشاشه من الخلف مستديراً من اليمين الى اليسار، فأصابت اطلاقات رشاشه الثماني والعشرون طلقة ظهر الأمير ( عبدالإله )، ورأس ورقبة الملك وظهري الملكة و( الأميرة عابدية )، ثم لم يلبث أن فتح النقيب ( مصطفى عبدالله ) نيرانه من الأمام على البشر الموجودين أمامه ، وفتح بقية الضباط المشكلين نصف حلقة نيران رشاشاتهم ، وجاءت النيران من الأمام ومن الخلف ومن الجانب، من كل يد تحمل سلاحاً في تلك اللحظة !! ، أصيب الملك بعدة طلقات فتحت جمجمته وسقط في أحضان الأميرة ( هيام ) التي تهاوت أرضاً ، وقد أصيبت في فخذها، وسقط الأمير ( عبدالإله ) قتيلاً وانصبت عليه نيران اكثر من فوهة نارية ، وهو يتمرغ قتيلاً على الأرض، ونالت الأميرة ( عابدية ) والملكة ( نفيسة ) حظهما من رصاص المهاجمين، فتمرغتا بالأرض وهما تلفظان أنفاسهما الأخيرة، واصيب جندي الحرس ( محمد فقي ) بعدة طلقات نارية صرعته فوراً، وجرحت الخادمة ( رازقية )، وقتل الطباخ التركي ، وقتل أحد الخدم في نفس البقعة أيضاً.
واصيب النقيب ( ثابت يونس ) بطلقة نارية اخترقت رئته اليمنى ونفذت ، فهرب إلى جهة اليمين ومعه ضابطا صف من الانضباط الخاص ، وسرعان ما واجهتهم أعداد المسلحين المختفين وراء القصر واجبروهم على التسليم ،اما المقدم ( محمد الشيخ لطيف ) فقد قفز جانباً حائداً عن همر الرصاص ، واستطاع الملازم اول ( ثامر الحمدان ) أن يلقي بنفسه بين الشجيرات ، ويزحف أرضاً إلى ضفاف نهر الخر ويندس هناك بين جموع المهاجمين ويختفي دون أن يعرفه أحد.

وأثار منظر الدماء وأصوات الطلقات النارية جنون ضابط المدرعة ، ففتح نيران رشاشته الثقيلة على الأجسام الملقاة أرضاً، فحرثها حرثاً وحاول الطفل ( جعفر اليتيم ) الذي كانت تربيه الأميرة ( عابدية ) أن يهرب إلى زاوية من زوايا القصر ، إلا انه سرعان ما عاجله الجنود برصاص بنادقهم فأردوه قتيلاً. وعلى أثر هذا الرصاص المتناثر يمنة ويسرة أصيب النقيب ( مصطفى عبدالله ) بطلقة نارية بصدره ، وسقط أرضاً والدم ينزف من جرحه ، وتهاوى بين الشجيرات النقيب ( حميد السراج )، وقد أصابته طلقة نارية في كعب قدمه، وسقط ضابط صف برتبة رئيس عرفاء قتيلاً من المهاجمين ، أما الأميرة ( هيام ) فقد تمكنت من الزحف إلى ركن أمين وتقدم منها ضابط وحملها بيده حيث أخفاها في غرفة حرس الباب النظامي ، والدماء تسيل من فخذها.
ثم كفت الإطلاقات النارية، وكانت الجثث الميتة ملقاة أرضاً. وتصايح الضباط، كل يريد أن يعطي فكرة أو طريقة للتخلص من الجثث ، وسرعان ما جلبت سيارات نقل على أثرها الضابطان الجريحان من المهاجمين إلى المستشفى . وفجأة سمع المتجمهرون إطلاقة نارية تأتى من الخلف من بين الأشجار العالية المحيطة بالقصر، لإتمام عملية التطهير، ولعلع من جديد رصاص الرشاشات شاقاً السكون الذي ساد المكان اثر عملية القتل، كأنما هو صرخات الموت الختامية وحشرجته في قصر الرحاب.
ثم جلبت سيارة من نوع بيك اب ( فان ) تابعة للقصر كانت تستعمل للمشتريات اليومية ، ورفعوا جثة الملك، وانزلوها في السيارة، ووضعت الجثة على جنبها الأيمن مما جعل اليد اليسرى تتدلى خارج الباب، ثم سحبت الجثة من يدها إلى الداخل. ثم حملت جثث النساء، فجثة الأمير ( عبدالإله )، وبقية القتلى . وإلى هنا كانت جماهير الناس في الشارع قد دخلت حدائق القصر وانتشرت فيها، وشاهد بعضهم الجثث ، وهي تنقل إلى السيارة ( الفان ) , وتحركت السيارة نحو الطريق الخاص للقصر، وهجم شاب ضخم الجثة يحمل بيده خنجراً ، وانهال بطعنتين على جثة الأمير ( عبدالإله ).

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.