روائي عربي يكتب روايته على ضوء مصباح دستويفسكي

علي العائد
يدرك أبلوموف سبب عجزه. مع ذلك تزداد حالته النفسية مأساوية. تسأله أولغا: ما الذي قتل كل شيء فيك؟ فيجيب: الأبلوموفية. والأبلوموفية هي الكلمة/ المفتاح لفهم ظواهر الحياة الروسية كلها في القرن التاسع عشر، ولدت على يدي الكاتب إيفان غونتشاروف (1812 – 1891) في روايته “أبلوموف”. والأبلوموفية هي التي استعملها الكاتب السوري خليل الرز في روايته الأخيرة “بالتساوي”.في أبطال رواية خليل الرز “بالتساوي” الصادرة عن دار الآداب، تظهر “الأبلوموفية”، نسبة إلى شخصية أبلوموف للكاتب الروسي إيفان غونتشاروف، من خلال محاولة بطليه الخروج من ذلك المنعطف. والتناص مع هذه الفكرة، لا تخفى ملامحه في هذه الرواية، كما لا يخفيها في روايات سابقة للرز.درس الرز الأدب الروسي في معهد الاستشراق في موسكو خلال ثمانينات القرن الماضي. وهذا سبب أول للاعتقاد أنه لا ينجو أيضا من التناص مع روايتي دستويفسكي “مذلون مهانون”، و”ذكريات من منزل الأموات”. السبب الثاني لميل الرز إلى التناص مع الأدب الروسي يأتي من تشابه حياة بطله الأستاذ سميع مع الحوار الجواني الذي عاشه أبلوموف في رواية غونتشاروف. كما نجد في المونولوجات بين عبدالهادي وسميع، التي قلما تأتي على شكل حوار، ما يشبه الحوار الصريح بين أبلوموف وشتولتس.في “أبلوموف”، هنالك تأكيد على ربط القول بالعمل، والتقيد بمقاييس أخلاقية صارمة. لكننا نجد في “بالتساوي” محاولات للخروج من النمطية والقيود الاجتماعية، وسعيا إلى كسر القواعد الأخلاقية.
بعيدان قريبان
يستعير الرز عنوانا لروايته “بالتساوي”، بدلا من “الموت بالتساوي”، مثلا، حاذفا دلالة الموت المتاح دائما في سوريا، وبوفرة الآن. وأذكر أنني قرأت أن الاسم الأولي للرواية كان “بالتساوي الممل”؛ “ثمة أشياء في الحياة هي بالتساوي لكل الناس، كمقعد في حديقة عامة، أو في صالة سينما، أو رصيف حيث هو لكل الذاهبين، مثلما الشارع لكل السيارات، وإشارات المرور…”.هو الموت، ودفعة واحدة في الواقع، بعد أن عاش السوري حياته وهو يدفع الأقساط المتزايدة منذ خمسين سنة، لذلك كان موت الأحلام، حتى بشروطها المجحفة التي يميل الكاتب إلى جعلها كوميديا سوداء. “فكَّر الأستاذ سميع أن الإنسان، رغم كل شيء، يبلغ أحيانا التاسعة والأربعين من عمره هكذا دون مقدمات، وأنه لن يصبح مديرا”.خليل الرز يقدم رواياته كعمل فني فقط، بغض النظر عن التأويل الاستشرافي الذي يساهم به الناقد أو القارئأحداث الرواية رهن اللعبة التي يحبها خليل الرز خلال رسم مصائر شخصياته، حين تأتي غريبة مدهشة على غير توقع ذي صلة بحياتيْ بطليه. فالأستاذ سميع يعيش في حي الباشا في غرفة مستأجرة عند السيدة بهيجة. يعمل في المديرية العامة لاستنهاض التراث العربي، ويحلم أن يتقاعد مدير الهيئة ليحل محله، وهذا كل شيء. أما عبدالهادي فهو الابن البكر لتاجر دمشقي يحاول أن يتمرد على الأب، لكنه يظل مشدودا بالوفرة المادية التي يتيحها له وضعه كابن تاجر. وهذا كل شيء، أيضا، بالنسبة إلى عبدالهادي.بطلا الرواية يعيشان حريتيهما كمونولوجات أكثر مما اختبرا الحرية كديالوغات مع محيطهما الحي، وغير الحي. وقد كانا يبحثان عن حرية ما، وفق شروط مختلفة لحياتيهما، وكانا يحاولان الخروج من معتقل مفتوح، أو هما قد ظنّا أنهما خرجا منه. هما صديقان غير متكافئين في السن، التقيا في الجامعة ليتشاركا الهذيان الداخلي نفسه، مشدودين إلى ماض لم يصنعاه، بينما يحلمان أن يتساويا في واقع لم يعيشاه بعد. بين حلميهما وواقعيهما تكمن أحداث الرواية التي تتحرك في مسارين متساويين.صحيح أن الحياة مجموعة مصادفات قد تبدو للمتعجل بلا معنى، إلا أن خليل الرز يرتب هذه المصادفات ضمن شروط روائية تلتزم فوضى الدومينو، فالمصادفات هي ما تتحرك ضمنها الشخصيات وتلتقي وتتباعد، فالرز يمسك بخيوط حكايته ومصائر شخصياته التي يبدو في الظاهر أنها مليئة بالمفارقات لكنها في النهاية تجتمع وتتلاقى لترسم مصير الإنسان التواق إلى الحرية والغد الأفضل.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.