الصيدلية الأهلية تتحول إلى مشروعٍ تجاري!!

بصوته الجهوري المميز، نادى جاري أبو أحلام على ابن أخيه وكلفه بمهمةِ جلب دوائه من صيدليةِ الحاج حسام المتاخمة لمحله التجاري، منبهاً إياه بضرورةِ توخي الدقة في انتخابِ العقاقير التي تلزمه الابتعاد عن شراءِ ما ظهر محلياً من أنواعها الحاملة لعلاماتٍ تجارية هندية أو تركية أو مصرية أو المنتجة في بعضِ الدول الأوروبية.
التحذير الذي أطلقه جاري، لم يكن في واقعِه الموضوعي مدعاة للسخريةِ، فضلاً عن إنه لم يعد أمراً مثيراً للاستغرابِ أو التعجب في بلادِنا بعد تفشي ظاهرة تفاوت أسعار الأدوية، وارتفاعها الجنوني في الصيدلياتِ الأهلية خلال الأعوام الماضية، التي أفضت إلى حرفِ الصيدلية عن هدفِها السامي وتحولها بفعلِ جشع بعض الصيادلة إلى مشروعٍ تجاري ليس بوسعِ أصحابه الامتناع عن ترويجِ الأدوية المهربة، التي جل المعروض منها يتأرجح ضمن دائرة الأنواع المقلدة أو المعدة بوساطةِ أساليب الغش الصناعي.
إنَّ خطورةَ آثار هذ النوعِ من العقاقيرِ والأدوية العلاجية على صحةِ الإنسان، بالإضافةِ إلى سلبيةِ تداعياتها على الاقتصاد الوطني، لم يعد حائلاً دون فرضها قسراً على المرضى، ولاسِيَّمَا المنتمين لشرائحِ الفقراء والمعوزين الذين لم يجدوا إلا خيار القبول بأدويةٍ أقل جودة سبيلاً إلى التعافي جراء ملاءمتها لمداخيلهم المالية المتواضعة، التي تفرض عليهم بحثاً مضنياً ما بين الصيدليات العاملة لأجلِ الحصول على علاجاتٍ بأثمانٍ مناسبة أو الاكتفاء بجزءٍ مما مثبت في الوصفةِ الطبية، التي يسجلها بعض الاطباء بطريقةٍ لا يمكن قراءة تفاصيلها إلا من قبلِ صيدلية واحدة، حيث يصعب فك طلاسمها من قبلِ العاملين في بقيةِ الصيدليات بقصدِ حصر طلب المراجعين عليها دون سواها، بالاستناد إلى الاتفاقِ المبرم ما بين بعض الأطباء والصيادلة حول تقاسم الأرباح. وما يزيد هذه المشكلةِ تعقيداً بالنسبةِ للمواطنِ هو إيكال الصيدلي مهمة التواجد في صيدليته إلى أشخاصٍ لا علاقة لهم بخفايا هذه المهنة، التي تلزم من يمارسها معرفة دقيقة بعلمِ الصيدلية، ما يفضي إلى المساهمةِ بإمكانيةِ حدوث أخطاء في صرفِ الدواء، فضلاً عن المتاجرةِ بأدويةٍ مغشوشة أو لم يجر إخضاعها لإجراءاتِ الفحص المعتمدة من قبلِ الأقسام المعنية بالأمرِ في وزارةِ الصحة، إلى جانبِ توفر البيئة التي تجعل التعامل مع الأدويةِ المسروقة من المستشفياتِ أمراً غير مستبعد. وفي السياقِ ذاته تشير المشاهدات اليومية إلى حاجةِ بعض الصيدليات إلى الاهتمامِ بالنظافة، بالإضافةِ إلى ضرورةِ توفير وسائط مناسبة لحفظِ موجوداتها.
على الرغمِ من عدمِ إباحة التشريعات القانونية النافذة اقتناء الصيدليات أدوية مغشوشة أو مقلدة والتعامل بها، فإنَّ ضعفَ المتابعة وتقلص الإجراءات الرقابية من شأنِه إيجاد أرضية خصبة لرواجِ هذه السمومِ التي تشكل صورة محزنة لفعاليةِ شريحة مثقفة ضحيتها الإنسان. ويضاف إلى ذلك إخفاق نقابة الصيادلة في وضعِ تسعيرة مناسبة للأدويةِ تعتمد هامش ربح معقول في ظلِ الأزمة المالية الخانقة، التي تعيشها بلادنا في الوقتِ الحاضر، فضلاً عن صمتِها المثير للانتباه تجاه عرض الصيدليات لأدويةٍ من أنواعِ رديئة إلى جانبِ نظيراتها من الأنواعِ الجيدة، ما يجعل التفاوت بالأسعارِ أمراً مقبولاً!!.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.