العراق … من معاناة الإرهاب إلى خطر التقسيم

منذ قرابة العشر سنوات بدأ الحديث عن مشروع الشرق الأوسط الجديد وتقسيم المنطقة إلى دويلات طائفية وعرقية، لم ولن ننسى تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية “كوندليزا رايس” عام 2006عندما تحدثت عن مشروع “الشرق الأوسط الجديد” والذي يهدف إلى إعادة ترتيب وترسيم حدود دول المنطقة، ورغم مضي سنوات طويلة على هذا المشروع إلا أن خطر التقسيم مازال يهدد وحدة المنطقة كلها وخاصةً العراق بسبب الظروف الخاصة التي يمر بها والتي تجعله عرضةً للتقسيم أكثر من أي بلدٍ آخر.
أولاً: في البداية يجب أن نتعرف على أهمية العراق لندرك أسباب المساعي الحثيثة إلى تقسيمه، وستكون الصورة أوضح إذا عرفنا ما قاله “عوديد يعنون” وهو دبلوماسي إسرائيلي سابق، ونشر “يعنون” مقالا في مجلة “كيفونيم” الصهيونية في عددها الرابع عشر، شهر شباط 1982 قال فيه: “العراق، دولة غنية بالنفط من جهة، وممزقة داخليًا من جهة أخرى، وهي مرشح مضمون للأهداف الإسرائيلية، إن انحلال العراق هو أكثر أهمية بالنسبة لنا من انهيار سورية، فالعراق أقوى كثيرًا من سورية، وتشكل القوة العراقية أكبر تهديد بالنسبة لإسرائيل… الهدف الأكثر أهمية هو تفتيت العراق إلى طوائف… في العراق، يمكن إحلال التقسيم إلى محافظات على أساس عرقي-ديني على غرار سورية خلال العهد العثماني، لذا سوف توجد ثلاث دول أو أكثر حول ثلاث مدن رئيسة: البصرة، وبغداد، والموصل، وسوف تنفصل المناطق الشيعية في الجنوب عن المناطق السنية والكردية في الشمال”. أما عن واشنطن، فهدفها لا يحيد عن أهداف الكيان الإسرائيلي، ابنها المدلل، ولهذا نجد أن “جون يو”، وهو أستاذ قانون في جامعة كاليفورنيا وباحث في منظمة اليمين المتطرف المعروفة بـ”American Enterprise Institute”، كتب مقالاً في صحيفة “لوس أنجيليس تايمز” دعى فيه إلى تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، وعلى نفس النهج سار “ألان توبول” في كتاباتٍ نشرها في موقع الجيش الأمريكي، و”توبول” عمل أكثر من أربعين عامًا مستشارًا للإدارات الأمريكية ومنها إدارة بوش، ولم ينتهِ السعي الأمريكي إلى تقسيم العراق، فمؤخرًا صرح قائد الجيش الأمريكي الجنرال “ريموند أوديرنو” بأن التقسيم قد يكون الحل الوحيد لمستقبل العراق نظرًا لصعوبة إنجاز مصالحة بين السنة والشيعة بحسب رأيه، وكشف “أودرينو” أن التقسيم أمر محتمل الحدوث.
ثانيًا: بعد التعرف على أهمية العراق وسعي أمريكا وكيانها الإسرائيلي لتحقيق هذا الهدف، سنبحث الوسائل التي تم اعتمادها لدفع هذا المشروع إلى أرض الواقع، ويتضح من خلال كلام قائد الجيش الأمريكي الذي ذكرناه آنفًا أن واشنطن تعتمد على بث الخلاف بين الشيعة والسنة لجعل هذا المشروع ممكنًا، وهذا ما يفسر قيام المسؤولين باتهام الحشد الشعبي فور تشكيله بالطائفية وأنه يمثل تهديدًا لأهالي السنة المتواجدين في العراق، لتقوم بعدها بفرض حظرٍ جوي على الجيش العراقي بحجة استهدافه المدنيين السنة. كما أن واشنطن استفادت من الشعارات الطائفية التي يطلقها تنظيم داعش الإرهابي، وحاولت مرارًا أن تروج لهذا التنظيم وغيره من التنظيمات الإرهابية على أنها تنتمي لأهل السنة، وهذا ما يتضح من مضمون الرسالة التي وجهها نائب الرئيس الأمريكي “أنتوني بلينكن” لروسيا بعد دخولها المعركة ضد تنتظيم داعش الإرهابي، إذ اعتبر “بلينكن” أن “دخول روسيا إلى الصراع السوري سيعود عليها بعواقب غير متوقعة تجرها إلى مستنقع وتنفر منها المسلمين السنة في أنحاء المنطقة”، وهذا الكلام يكشف محاولات أمريكا إظهار أهل السنة كمؤيدين وداعمين للتنظيمات الإرهابية.تهدف واشنطن من خلال الخلط المتعمد بين أهل السنة والإرهابيين إلى الترويج إلى فكرة أن الشيعة يستهدفون السنة وبالعكس، ليس في العراق فحسب، بل في سورية وبلدانٍ أخرى أيضًا كنيجيريا، وتهدف من خلال هذا إلى إشعال الصراع الطائفي في المنطقة ليصبح مشروع التقسيم أكثر سهولة، وأما عن الأكراد فالصورة أكثر وضوحًا وخاصة بعد تدخل أمريكا المباشر في تحرير قضاء سنجار وضمه لإقليم كردستان الذي يعمل بشكلٍ شبه منفصل. وعلى خارطة تقسيم العراق وضعت تركيا أول أصابعها، إذ أن أنقرة تحاول تدريب واستقطاب أهل السنة وإعدادهم لمواجهة الشيعة ولمشروع التقسيم، وباتت الحجة جاهزة لتبرير وشرعنة التدخل التركي، فأنقرة جزء من الحلف الإسلامي الذي أعدته السعودية لمحاربة الإرهاب، وبهذه الطريقة سيتمكن الأتراك تحت ذريعة محاربة الإرهاب من وضع أساسات المخطط الأمريكي المتمثل بتقسيم العراق إلى عدة دويلات، وتجدر الإشارة أن خرائط جوجل قسمت العراق لنفسها فوضعت “إقليم البصرة” الأمر الذي أثار عدد من التساؤلات عن أسباب هذه التسمية وتوقيتها. في النهاية يمكن التأكيد على أن مشروع تقسيم العراق أصبح مطروحًا أكثر في الآونة الأخيرة، ومع تقدم القوات العراقية وانحسار نفوذ تنظيم داعش الإرهابي سيصبح الإصرار الغربي على هذا المشروع أكثر وأكثر، فواشنطن ومن معها لن يقبلوا بانهزام داعش وعودة العراق كما كانت، وهم يجهزون لمشروع التقسيم البديل لداعش، وهذا ما يضع العراق أمام تحديات جدية وخطيرة لا تقل عن خطورة الإرهاب الذي يعاني منه.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.