«ميليشيا الثقافة» .. عراقيون مسلحون بالشعر ينشدون نصوصهم في المقابر والطائرات الحربية والمفاعل النووي وحقول الألغام

نكمكم

ماذا يعني أن تقرأ شعراً في حقل ألغام أو على ظهر طائرة حربية متوقفة في العراء، أو في مقبرة كبيرة تتقافز فيها النصوص أو على تراب مفاعل نووي ميت، أو حتى في سيارة إسعاف حملت الكثير من الضحايا أو على مقربة من تراب الحروب والخراب والمفخخات، هذه الأماكن الغرائبية كانت مسرحاً لجماعة “ميليشيا الثقافة” الجماعة الشعرية العراقية التي تشكلت قبيل عام، وأخذت على عاتقها القراءة خارج المألوف في فضاء المكان العراقي، وقد قدمت المجموعة منذ كانون الثاني (يناير) 20015، وحتى الآن العديد من الأصبوحات الشعرية: قراءات في المقابر، بقايا المفخخات، حقول الألغام والمعارك، سيارات الاسعاف، مفاعل تموز النووي، الطائرات الحربية، فوهات الصواريخ، أقفاص الأعدام، الأرض الحرام، وغيرها من الأماكن التي تتوق للشعر والكشف والمغايرة..
ميليشيا الثقافة
الشاعر مازن المعموري يتحدث عن المصطلح والنشأة قائلا “لابد من الإشارة إلى أن التحديث الشعري في العالم العربي واجه ركوداً حقيقياً مع بداية الألفية الثانية, لدرجة أن الكثير من الأصوات اعلنت موت الشعر, إلا أن الأحداث السياسية والانقلابات العنيفة في المجتمع العراقي ما بعد 2003 وضعت الشاعر العراقي محط انظار المهتمين لأهمية المشهد الشعري العراقي على المستوى العربي”.ويوضح المعموري وهو أحد أبرز أعضاء المجموعة، في حديث لـ”العالم الجديد” إن “مجموعة (ميليشيا الثقافة) برزت لتقود حركة جديدة في الشعر وقوام رؤيتها تتمثل في العديد من الملامح منها غياب التلقي الكلاسيكي: حيث لم يعد متلقي الشعر أو السماع للمنبر حاضراً هنا، كذلك عنصر المكان: حيث أصبح المكان جزءا أساسا في المدخل النصي بصفته أيقونة شعرية حاضرة. بالاضافة إلى الفعل: هذا الاختلاف الأساس للرؤية التي أخذت من الفنون الآخرى مفهوم الأداء لدرجة أن جسد الشاعر هو علامة تعمل على الكتابة أيضاً, تقدم لنا الرؤية مفتاحا للتعامل مع النص خارج المكتوب, يشترك فيها المكان والجسد والحركة والصورة, كدال لكينونة كلية الحضور, انطلاقا من لحظة الغيظ الذي يشكله الواقع تجاه الجسد, صورة العنف, الاغتصاب الرمزي لارادة الضد, لوجود ناقص يبحث عن كماله في الصراخ بوجه الفراغ, في استدعاء الموت لمقابر الناس واحتضان الغياب, في استدعاء بقايا المفخخات التي أكلت لحومنا دون أن ندري، أنها أفعال الجسد الذي يحركه الانفعال وليس التعقل أو المنطق العملي للحدث, كما لو أننا نتجسد كأمثولة عاطفية لتكون محور نزعتنا الادائية في الشعر”.
اليد البيضاء للشعر
ويضيف الشاعر مازن المعموري “نستطيع الآن أن ننظر إلى العالم من ثقب الكاميرا, أنها الكاميرا الوحيدة التي ترانا متوحدين في المكان, تساهم معنا في تقرير الشكل الجديد للنص, تعمل على استبدال تقنيات الخطاب, وتثير حساسية جديدة لنمو قلق المتلقي من حضورنا في الصورة والحركة, وهنا تكون أجسادنا هي المتكلم وهي النص وهي الحدث، حيث سنكون أمام مهمة جديدة للشاعر”، مشيرا الى أن “علينا التفريق بين الأداء المسرحي وصناعة دال علاماتي مفترض, يقترب من الازاحة الاجناسية للشكل ويتداخل مع آليات الفنون الأخرى بما يشبه الاستعارات, لأن ما يتبقى من كل ذلك هو الصورة وعلاقتها بآليات التواصل السريع والفضاء الافتراضي الالكتروني المعاصر، بالاضافة إلى الوثائقية، حيث يصبح النص بمثابة وثيقة تسجل الواقع, وتشترط بالنتيجة الحتمية التخلي عن الاستعارات الشعرية والمجازات والاساطير, لانها تعني تغييب الواقع وتغطية الحقيقة, فيما نصرّ نحن على كشف الحقيقة وتعرية الأقنعة”.
قصيدة2
بدوره يقول الشاعر كاظم خنجر “عندما يكون القتل هو ما تراه في المرآة عندما تنظر إلى نفسك، واليد البيضاء الوحيدة في هذا العالم، لابد لك أن تصافحه ليس لأنه القتل؛ ولكنه اليد الوحيدة الممدودة إليك، ببساطة هذه هي ميليشيا الثقافة تضع يدها بيد القتل؛ لتفسيره أو تفسير نفسها عبره”. ويبين خنجر في حديث لـ”العالم الجديد”، أن “كل ما قدمناه في (الطائرات الحربية، وحقول الألغام، والمفخخات، والمفاعل النووي..) هو استفهام عن هذا القتل، ولكن عبر الشعر هذه المرة، وهل يستطيع الشعر أن يفسر الإنسان و موته مرة واحدة..؟”.
القراءة في نهر الموتى
أما الشاعر أحمد جبور فيقول إن “ميليشيا الثقافة وصلت (نهر جاسم) النهر الذي حدثت فيه أخطر حرب دموية بتاريخ العراق “الحرب العراقية الايرانية”، وبعد توقف هذه الحرب بقيت جثث الجنود التي تقدر بنصف مليون إنسان لمدة سنتين في النهر كهياكل بفم الصحراء والمياه, حين وصلنا اليوم إلى النهر، لم نجد سوى نقطة تفتيش وأبراج مراقبة متروكة وبعدها دخلنا إلى عمق النهر الذي هو بقايا من هياكل معدات عسكرية، شظايا، قنابل يدوية، خوذ مثقوبة…، لم أرَ نهراً، إنما وجدت مائدة من الخراب وشطائر حرب كان منظراً مخيفاً جداً لأننا كنا نتخيل آباءنا وجيراننا الذين لم نعرف عنهم شيئا إلى الآن”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.