وسائل الحفظ الحديثة لم تثن العرب عن تقاليد تخزين التمور

هخهعح

للنخلة علاقة وطيدة بوجدان العرب فقد مثلت لعقود مصدرا للغذاء ومورد رزق للكثير من المزارعين والحرفيين الذين استغلوا كل ما تجود به من منتوج في الطعام وصنع الدواء وغيره، ولتعلقهم بها أخذت النخلة وثمارها أبعادا رمزية في الثقافة العربية فذكرها في القرآن الكريم وفي السنّة منحها بعدا روحيا واستشفائيا جعل المسلمين يبحثون في أسرارها كنعمة ربانية وإلى اليوم تنجز بحوث علمية كثيرة لاكتشاف فوائد النخيل والتمر,وهذا التعلق بالنخلة ترجمه العرب في مدوناتهم وأشعارهم فاستعملت لغويا كأداة للتشبيه وللوصف في الأدب العربي تعبيرا عن قيم إنسانية وجمالية عديدة منها الشموخ والصبر والجود والجمال وغيرها. كما ذكرت ثمار النخيل بأنواعها وزيوتها وكل ما يمكن أن يستخرج منها في كتب الطب القديمة ومنها “الطب النبوي” أو “الطب بالأعشاب” التي أنجزها العلماء في الطب والكيمياء في تلك العصور واستعملت منتجاتها للتداوي وللتجميل وللعديد من الأغراض التي تعود بالمنفعة على الإنسان,واعتمد سكان الجزيرة العربية البدو والرحل على الموارد الطبيعة ومنتجات الزراعة لتأمين متطلباتهم وغذائهم اليومي لذلك حرصوا على استثمار كل ما تنتجه النخلة من أنواع التمور عبر تخزينها لتصاحبهم في استهلاكهم اليومي على مدار السنة وابتكروا لأجل ذلك تقنيات ووسائل عديدة تسهّل عليهم حفظ التمور لفترة زمنية طويلة دون أن تفسد أو تفقد قيمتها الغذائية وهو ما جعلهم يخزنونها بطرق تقليدية وأدوات طبيعية تختلف حسب المناطق وحسب نوعية وجودة التمور,فما زالت طرق حفظ التمر التقليدية راسخة ومستعملة في بعض مناطق الخليج العربي والمغرب العربي,ففي الجنوب التونسي مثلا تنتج واحات النخيل الممتدة على مساحات شاسعة أنواعا عديدة من التمور في محافظات توزر وقبلي وغيرهما حيث تستعمل النساء الجرار المصنوعة من الفخار والتي تسمى محليا “الخابية” أو “الزير” وتوضع فيها كميات التمر المخصصة للخزن بعد فرزه وتنظيفه من الشوائب، وتغلق بإحكام إما بقطعة من القماش تربط على عنق الجرة بالخيط أو بغيرها حتى يمنع تسرب الهواء والحشرات إلى الداخل. وتحفظ الخابية في مكان يكون عادة بيت المؤونة وتسمى “المقصورة” التي تتميز بدرجة حرارة معتدلة ليتم استهلاك التمر بعد شهور دون أن يتغيّر مذاقه,وكذلك ابتكر مزارعو النخيل في الواحات التونسية طريقة أخرى لحفظ التمر -لعلها أقدم من أواني الفخار- بوضعها في ما يسمى محليا “البطانة” أو “السماط” أو “القربة” التي تصنع من جلد الماعز بعد تجفيفه وتنظيفه ودبغه ثم يتم ملؤه بالتمر المنقى من الشوائب ثم تغلق الفوهة التي تم إدخال التمر منها بإحكام وتعلق أو توضع في المكان المخصص للتخزين في المنزل,وهذه الطريقة في حفظ التمر في جلد الحيوان توجد أيضا في اليمن وتحديدا في جزيرة سقطرَى ويطلق على الوعاء نفسه الذي يصنع من جلد الماعز اسم “القربة” ويتم ملؤها بالتمر بعد إخراج النوى منه وهي طريقة تتميز بقدرتها على حفظ التمور لأشهر وحتى لسنوات دون أن يلحق بالكميات المخزنة أي أذى شريطة أن تحفظ بعيدا عن المياه,فمثلا الإماراتيون فقد كانت لهم طرقهم الخاصة في حفظ التمور لتأمين الغذاء في أيام الشتاء وما زالوا يحافظون على عاداتهم وتقاليدهم في تخزينه حتى اليوم,فبعد أن ينضج التمر ويتم جنيه يصنع له من سعف النخيل المشدود بعضه إلى بعض “الدعم” أو “المسطاح” الذي يشكل بساطا ينشر فوقه الرطب حتى يجف تماما وهي مرحلة تسمى “النشر” وتدوم بين 4 و5 أيام حسب حرارة الشمس وبعد تنقيته من الشوائب يتم فرزه وتقسيمه ويختار التمر من النوعية الجيدة للتخزين,ورغم التطور الحاصل اليوم في وسائل التخزين والتبريد في جميع الدول العربية وظهور طرق جديدة مثل التجميد في الثلاجات حيث يوضع التمر في أكياس بلاستيكية خاصة بالغرض إلا أن العديد من المجتمعات العربية سواء في دول الخليج أم دول المغرب العربي ما تزال متمسكة بطرق الخزن التقليدية للتمور لسببين؛ أوّلهما التمسك بالتراث والعادات والتقاليد وثانيهما إدراكهم عبر التجربة أن طرق تخزين التمر التقليدية التي تعتمد وسائل وأوان طبيعية أثبتت جدواها ونجاعتها في حفظ التمور لفترات زمنية طويلة بشكل صحي ودون إخلال بمذاقها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.