مقاطعة تجارية للإستهلاك الإعلامي المحلي !!

إنَّ القراءةَ المتأنية لتاريخِ الحروب تنبئنا أنَّ هولَ ماكنة الولايات المتحدة الأميركية العسكرية وضخامة قدرتها المادية، لم تجعلها بمنأى عن التعرضِ لخطرِ الهزيمة أمام الثوار الفيتناميين، الذين تسلحوا بإرادةٍ صلبة لثني إرادة الأمريكان وحملهم على التراجع، ومن ثم انسحاب قواتهم من جنوبي فيتنام، التي مهدت لإعلانِ دولة فيتنام الموحدة بعد إسقاط قوات الفيتكونغ العاصمة سايغون. ومن المهمِ الإشارة هنا إلى أنَّ كفاحَ الشعب الفيتنامي لأجلِ تحرير أرضه وإعادة لحمته الوطنية، لم يقتصر على استخدامِ السلاح، إنما تعددت أوجه المقاومة الشعبية التي انتهجها في نضالِه ضد المحتل الأميركي، فكان أنْ تلاحمت قواه الشعبية بتكريسِ ما متاح من النشاطاتِ الإنتاجية بقصدِ تعزيزِ قدرات المقاتلين لأجلِ إبعاد الخطر الذي يهدد البلاد، إلى جانبِ اعتماد قادة المقاومة لسلاحِ السياسة بالاستنادِ إلى طبيعةِ المراحل التي شهدتها مسيرته النضالية.
ضمن هذا السياقِ، تؤكد الدروس المستنبطة من أبرزِ حروب القرن الماضي التي عاشتها البشرية على فاعليةِ مشاركة القوى البشرية في تدعيمِ المجهود الحربي، بوصفها قاعدة ارتكاز لجيوشِ بلدانها في ساحاتِ الوغى، وحاضنة ملائمة تستند إليها في إدامةِ زخم القتال، الأمر الذي يلزم الحكومة في بعضِ الأحيان إقرار تشريعات قانونية لتنظيمِ عدد من النشاطات، التي بمقدورِها التأثير إيجاباً في مهمةِ تماسك الجبهة الداخلية بمواجهةِ العدوان؛ بالنظر لإلزامِ القانون المواطن والمؤسسات الحكومية بأتباعِ مضامينه وتطبيقها.
بعد تنامي تهديدات الإمبريالية العالمية بمعاونةِ ذيولها الإقليمية والمحلية لبلدنا، وتمكينها عصابات ( داعش ) الإرهابية من احتلالِ مدينة الموصل في شهرِ حزيران من عامِ 2014 م، أصدرت بعض الحكومات المحلية قراراً بمقاطعةِ السلع والبضائع ذات المناشئ السعودية والتركية والقطرية، فضلاً عن إعلانِها مهلة شهر واحد للتجارِ لأجلِ تصريف ما بحوزتهم من بضائعٍ قبل تنفيذ قرار المقاطعة، بالإضافةِ إلى توجيه جميع المفارز الامنية بمنعِ دخول البضائع الموردة من الدولِ التي تقدم ذكرها إلى الحدودِ الإدارية للمحافظاتِ المعنية بهذا الأمر، وتوعدها المخالفين بعقوباتٍ صارمة. وأدهى من ذلك إعلان بعض هذه الحكوماتِ حينئذٍ مباشرة المنافذ الحدودية في البصرةِ بمنعِ إدخالها!!.
على الرغمِ من تأكيداتِ المسؤولين في بعضِ الحكومات المحلية بأكثرِ من مناسبةٍ على عدمِ السماح باستيرادِ بضائع الدول التي جرت الإشارة إليها آنفاً، فضلاً عن نعتها بالداعمةِ للإرهاب، إلا أنَّ مرورَ أكثر من عامٍ على صدور قرارات المقاطعة التجارية لم يفضِ إلى غيابِ منتجاتها عن السوقِ المحلي، بالإضافةِ إلى حرصِ المسؤولين بأغلبِ مناطق البلاد على اعتمادِها في واجبِ الضيافة بدلاً من السعي الحثيث لتدعيمِ المنتج الوطني، ما يؤشر شكلية قرارات المقاطعة، التي أصدرتها أغلب مجالس المحافظات!!.
من بينِ أكثر المشاهد إيلاماً في هذا المجالِ هو ظهور منتج لأحدِ البلدان المشمولة بالمقاطعةِ أمام وزير الشباب والرياضة ومحافظ ذي قار وبقية المسؤولين أثناء جلوسهم في المنصةِ خلال الاحتفالية الخاصة بافتتاحِ ملعب الشطرة الرياضي مثلما وثقته تقارير القنوات الفضائية. ولا أكتم سراً ما كنت أتمناه شخصياً في أنْ تعمدَ إدارة المهرجان إلى اعتمادِ تمر الشطرة ولبنها بدلاً من تقديمِ عصائر منتجة في دولةٍ يصفها مجلس محافظة ذي قار بالمساندةِ للإرهاب!!.
على وفقِ ما تقدم، يمكن القول أنَّ المواطنَ العراقي ألف الاستماع لأحاديث عن المقاطعةِ من دونِ أنْ يتلمس ملامحها!!.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.