قبل تأسيس مجلس الإعمار .. العمل الهندسي في عشرينات القرن الماضي

هخحخح

2

كتب هاملتون في يومياته تفاصيل تنفيذ هذا العمل الهندسي الكبير والاسلوب الذي استخدمه ، مع مشاهداته اليومية والاحداث التي مر بها . كما وصف المناطق التي يمر بها الطريق وطبيعتها وجماليتها ، واهم معالمها ، واحوال سكانها وعاداتهم وطبائعهم ، وانواع الكائنات الحية من نباتات وحيوانات الموجودة في تلك المناطق . ان كتاب هاملتون وثيقة انثربولوجية وهندسية فائقة الاهمية. لابد لمن يعرض المشاريع الهندسية الكبيرة في العراق ، ان يتحدث عن مشاريع الري الكبرى ، التي لعبت دورا واضحا في تطور البلد ، فقد كانت المشكلة المائية من حدوث لفيضانات مدمرة او انحسار المياه عن مناطق زراعية كبيرة ، من اخطر التحديات التي واجهت ادارة الدولة العراقية منذ تأسيسها . وقد استعانت الدولة العثمانية في اوائل القرن العشرين بخبير بريطاني شهير ، هو المهندس وليم ويلكوكس ، لدراسة الموضوع وتقديم الحلول الحقيقية له . لقد درس ويلكوكس بعد جولات ميدانية في انحاء العراق ، المشكلة من جميع جوانبها وابعادها ، ووجد ان الحلول الناجعة متعددة المحاور ، الا ان اهمها تكمن في استغلال منخفضيّ الثرثار والحبانية للسيطرة على زيادة مناسيب المياه في موسم الفيضان ، واقامة سد على نهر الفرات في منطقة الهندية لاحياء نهر الحلة ، وآخر على نهر دجلة في منطقة الكوت لاحياء نهر الغراف ، لأنقاذ الاراضي الزراعية من الجفاف والاندثار . ومن حسن حظ العراق ان السلطات في العهدين العثماني والعهد الوطني ، اخذت مقترحات ويلكوكس مأخذ الجد ، وشرعت بتنفيذها بجدية فائقة . افتتحت سدة الهندية في 12 كانون الاول 1913 ، وقد وضع ويلكوكس تصميمها واشرف على عملية التنفيذ ، وكانت من الاعمال الاصلاحية القليلة التي قامت بها الدولة العثمانية قبل افول عهدها في العراق في الحرب العالمية الاولى . اما سدة الكوت فقد افتتحت في 29 آذار 1939 من الملك غازي قبل ايام قليلة من مصرعه بحادث سيارة ، فقد قامت شركة بلفور بيتي الانكليزية بتصميمها وتنفيذها . وكلا السدتين شيدتا بالكونكريت المسلح الذي بدأ استعماله بنطاق واسع في العراق منذ اوائل الثلاثينيات في القرن الماضي .ان شركة بلفور بيتي هي ايضا قد نفذت مشروع انشاء الناظم والقناة الواصلة بين نهر الفرات وبحيرة الحبانية لخزن المياه الفائضة في هذا المنخفض . اما مشروع ناظم سامراء الذي يحول المياه من دجلة الى منخفض الثرثار الذي تبلغ طاقة الخزن فيه حوالي 33 مليار متر مكعب ، فقد نفذت شركة زبلن الالمانية اعمال هذا المشروع المهم . لقد توسعت مدينة بغداد توسعا كبيرا في جانبيها الغربي ( الكرخ ) والشرقي ( الرصافة ) ، بعد قيام الحكم الوطني ، وكان لابد من انشاء جسور حديثة تربط الجانبين ، لتكون بديلة للجسرين القديمين القائمين على جنائب عائمة على النهر ، الاول يعود الى العهد العثماني ( الجسر العتيق ) ، والثاني ( جسر مود )ـ شيدته القوات البريطانية اثناء مدة الاحتلال . وفي منتصف الثلاثينيات اتفقت الحكومة العراقية مع شركة هولواي اخوان الانكليزية على انشاء جسرين حديثين في موقعي الجسرين القديمين . افتتح الجسر الاول في تموز 1939 ، وهو جسر الشهداء الحالي ، والثاني افتتح في العام التالي،وهوجسرالاحرارالحالي . وكانت مشاريع السكك الحديد من انشاء ومد وتشغيل وتنظيم ، بادارة هيئة بريطانية ، منذ تاسيسها في عهد الاحتلال ، حتى خمسينيات القرن المنصرم . كان خط بغداد الموصل جزءا من مشروع خط برلين بغداد البصرة الذي بدأ العمل به في السنين الاخيرة من العهد العثماني لربط اوربا بالدولة العثمانية . وبعد تكوين الدولة العراقية بوشر بانشاء خط بغداد البصرة . كما كانت الموانىء العراقية تدار بشكل كامل من هيئة بريطانية ، وهي التي تدير اعمال الملاحة في شط العرب من الخليج حتى ميناء البصرة ، اضافة الى اعمال النقل للبضائع المستوردة او المصدرة في هذا الميناء ، وكان هناك موظف عراقي يمثل الحكومة العرااقية في هذه الهيئة المهمة ، وآخر ايراني ! . وارى ان هذه الهيئة شكلت للسيطرة على اعمال الملاحة والتجارة ،ولتكون احدى الحلول لمشكلة الحدود العراقية الايرانية في منطقة شط العرب . لم يكن ايٌ من الجهات الاستشارية الوطنية العاملة على المشاريع الانشائية في تلك الفترة ، سوى بعض الاقسام التصميمية لدى عدد من الدوائر مثل الاشغال العامة او الموانيء . فقد كانت اغلب الوزارات تعتمد على الخبرات الانكليزية العاملة في تلك الوزارات من مهندسين ومعماريين ، او الشركات العاملة تصميما وتنفيذا . ولم يكن هناك من المهندسين العراقيين في بداية تأسيس الحكم الوطني ، سوى عدد من المهندسين العسكريين ، الذين درسوا الهندسة في المدارس العسكرية في اسطنبول. وساهم بعضهم في اعمال انشائية مختلفة ، كلٌ حسب امكاناته الهندسية ومسؤوليته العسكرية . وتقدم البعض ايضا في السلم الوظيفي والسياسي في المدد اللاحقة ، مما اهلهم الى اتخاذ قرارات تخطيطية وهندسية مهمة .وقد ترك لنا بعضهم خرائط جغرافية قيمة ، لم تزل موضع الاهتمام والتوثيق ، كرشيد الخوجة و محمد امين زكي . ونذكر ايضا السيد ارشد العمري الذي تولى منصب رئاسة الوزراء ومناصب ادارية رفيعة ، او السيد احمد شوقي الحسيني الذي اصبح مديرا عاما في وزارة الاعمار . عرف العراقيون اول مدرسة لتعليم مبادىء الهندسة بعد الاحتلال البريطاني للعراق ، اذ دفعت الحاجة الى موظفين لدوائر الري والمساحة الى فتح هذه المدرسة سنة 1918 . ويبدو ان هذه المدرسة استمرت الى ما بعد تاسيس الحكم الوطني ، فارتبطت بوزارة الاشغال والمواصلات اولا ثم بوزارة المعارف عام 1926 . غير ان المدرسة لم تحقق الهدف المنشود منها ، وهو تخريج مهندسين عراقيين اكفاء . لذلك تالفت لجنة من المستر سميث مفتش المعارف العام والاستاذ ساطع الحصري مدير المعارف العام والمستر كرفث مدير المدرسة ، لدراسة سبل تطويرها والارتقاء بها . ووجدت اللجنة ان دوائر السكك والاشغال والري والمساحة وغيرها بحاجة كبيرة الى خريجين ، وقضية ارسالهم الى الخارج للدراسة صعبة ، حيث يمكنهم ان يحصلوا على ما يريدون من الدروس في مدرسة الهندسة العراقية . ولااجل تدريب المهندسين ومساعديهم ، يقتضي تقسيم مدرسة الهندسة الى فرعين اولهما عالي يقبل فيه خريجو الدراسة الثانوية . اعلن مجلس الوزراء في عام 1927 انه يرغب في ان تكون مدرسة الهندسة من المعاهد العالية ، وتتمكن من تهيئة مهندسين عراقيين لمختلف الدوائر . وبالرغم من الصعوبات التي واجهتها مدرسة الهندسة ، فانها استطاعت خلالثلاث سنوات اعدادحوالي ستين موظفا فنيا في مجالي الهندسة والمساحة ، كما يذكر الكتاب السنوي لكلية الهندسة لسنة 1946 .

غير ان الازمة الاقتصادية العالمية سنة 1930 ، عصفت بتلك المدرسة ، اذ تقرر اغلاقها مع مدرسة الزراعة، بحجة الاقتصاد في النفقات.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.