الذاكرة الثقافية .. تاريخ الأدب الميساني والثقافة في العهد الملكي

عهع

ومن حسن حظ مدينة (العمارة) أنها احتضنت أدباء ومفكرين وظلت كذلك تحتضن كل من لجأ إليها مبعداً أو بحكم الوظيفة أو بحثاً عن الرزق وقد تعاقب على المجيء إلى هذه المدينة أدباء معروفون أمثال جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي وخيري الهنداوي وضياء الدين شكاره والسيد محمد صادق بحر العلوم وسعد صالح النجفي وصالح جواد الطعمة ومرهون علي الصفار والأستاذ محمد الأعسم وعبد المجيد زيدان ويونس الطائي وسعيد شابو ومحمد مهدي الجواهري وأخوه عبد الهادي وبرهان الدين العبوشي الذي لجأ إليها من فلسطين وسعد درويش الذي أنتدب للتعليم فيها من مصر.
ومن الإنصاف حقاً أن نذكر الندوات والمجالس الأدبية المنتشرة في مركز المدينة والتي كانت يقصدها شخصيات عراقية معروفة وكانت تزدهر بالمباريات الثقافية والأدبية وعليه فقد كان لها دور لا يمكن إغفاله في المساهمة في تفعيل الحركة الثقافية والأدبية في العمارة في حقبة الثلاثينات والأربعينات (كمجلس عبد المطلب الهاشمي ومجلس محمد جواد جلال ومجلس محمد حسن الصوري ومجلس الأنصاري ومجلس البدراوي).
ومن الجدير بالذكر أن محاولات نشر نتاجات القصاصين العماريين في أواخر الثلاثينات ومطلع الأربعينات ومعظم تلك القصص كانت لا تعني بالقيم الفنية بقدر ما تفيد الباحثين في دراسة المجتمع العماري وخاصة في نواحيه الاجتماعية ومنها قصص الأديب خليل رشيد الذي صور فيها بعض مناحي الحياة على نحو يستهدف النصيحة والإرشاد حيث نشر عدداً كبيراً في الصحف والمجلات منذ الأربعينات وقد جمع قسماً مما كتبه ونشره في الخمسينات في مجموعتين الأولى بعنوان (الحياة قصص) عام 1952 والثانية بعنوان (خمر وغيد) عام 1954 فأنتشر عارفوه على صعيد القطر ثم تناقلت الصحف اسمه على صعيد الوطن العربي والسبب في ذلك الإسهام الكبير والمد الذي ظل يدفع في مجراه نتاجه الجم لقد كان يغذي الصحف والمجلات المحلية والعربية منها مجلة الرسالة للزيات والثقافة لأحمد أمين والقصة العربية الحديثة لسامي الكيالي والعرفان لأحمد الزين وصباح الخير اللبنانية والغري لشيخ العراقيين والبيان للخاقاني والهاتف لجعفر الخليلي والشعاع للعصامي والدليل للأسدي والمعارف للطالقاني. وخليل رشيد كان حلاقاً وكان صالونه أشبه بنادٍ أدبي وإذا كان صالون (مي زيادة) قد جمع أعلام الفكر والأدب والفن في مصر في حينه فأدب الخليل وحسن معشره استطاع تحويل الدكان الصغير إلى منتدى يدور فيه حديث شيق عن كل ما يخص الأدب والأدباء.
لم تكن الحياة العلمية والثقافية في العمارة راكدة فقد أصدر وترجم علماؤها وأدباؤها مجموعة من الكتب العلمية وفي مختلف العلوم وكانت مكتباتها تغص بنفائس الكتب إضافة إلى المكتبة العصرية لصاحبها عبد الرحيم الرحماني كانت في العمارة عدة مكتبات منها مكتبة الإرشاد لمحمود جواد الكاظمي ومكتبة ياسر صادق ومكتبة الغد للأخوين شاكر وإبراهيم الهاشمي ومكتبة النجاح للأنصاري ومكتبة التحرر الوطني ومكتبة العروبة.إن المثقفين العماريين بدأوا يعرضون على المسرح المحاولات التمثيلية الأولى وفعلاً كانت التجارب المسرحية جادة وناضجة منذ تشكيل أول فرقة مسرحية في أوائل الثلاثينات التي ضمت أكفأ المثقفين وأقامت منذ ذلك الوقت دعائم المسرح العماري الذي بدأ مسيرته الناجحة وبدأ الوعي المسرحي يأخذ طريقه نحو التطور واجتاحت المدينة آنذاك خصوبة فنية أثمرت أنجح المسرحيات فكانت اجتماعية هادفة تطورت إلى مسرح واقعي مثلت على خشبته أغلب العروض الجريئة التي تعالج قضايا المجتمع والسياسة. . .
وكانت فرقة أنصار الفن في أوائل الأربعينات التجربة الناجحة الأولى ثم أعقبتها جمعية الطليعة في مطلع الخمسينات التي كانت الأكثر نضجاً من الأولى والأكثر تطوراً. فكانت الخطوط البيانية للحركة المسرحية في تصاعد مستمر فعرضت الدراما والتراجيديا إلى جانب الكوميديا الهادفة.
وفي عام 1947 عندما زار الفنانون المصريون – سراج منير وصلاح أبو سيف وحلمي رفله وفاخر فاخر والممثلة كوكا – العمارة لتمثيل فلم مغامرات (عنتر وعبلة) في ناحية المشرح عرض أولئك الفنانون مساعداتهم والتعاون مع فرقة أنصار الفن العمارية وأكدوا لهم أن المستوى المسرحي في العمارة عالِ جداً وأن الفرقة تعتمد على نفسها بالدرجة الأولى وأكد صلاح أبو سيف وسراج منير أن الحركة المسرحية في العمارة ستفوق الحركة المسرحية في مصر وتكون العمارة من أوائل المدن في العالم العربي تساهم وتطور الحركة المسرحية. كانت تلك المقولة من الفنانين المصريين حقيقة واقعة إذْ تعبر عن طبيعة العمل المسرحي آنذاك لو استمرت وتطورت الحركة المسرحية. وفي مدة الخمسينات انخرط معظم المعلمين والمثقفين في جمعية الطليعة للتمثيل والتي احتلت شهرة واسعة في الحركة المسرحية في العمارة بما قدمته من عروض مسرحية عالمية ومحلية.
ولا بد من الإشارة إلى أن الأشخاص الذين قدموا العروض المسرحية الأولى إخراجاً وتمثيلاً في أقضية العمارة ومركزها كانوا من أعمدة القوم وأشرافهم ولم يكونوا من خريجي معاهد الفنون المسرحية آنذاك وإنما كانوا متطوعين للعمل المسرحي خدمة للصالح العام في تحقيق الأهداف التربوية والوطنية. فإن أول عمل مسرحي أقيم في قضاء قلعة صالح عام 1917 لجمع أموال لبناء مدرسة القلعة قام بتمثيله الشيخ حسين خلف الخزعلي والشيخ عمران الباوي والحاج علي البهار الظالمي وساهم معهم مجموعة من الناس المعروفين بصدق الأمانة وحسن السلوك.
وفي العمارة أخرج السيد عبد المطلب الهاشمي والأستاذ الأديب محمد جواد جلال مجموعة من المسرحيات وكلاهما أشهر من نار على علم. وقد اختارا طلاباً صاروا فيما بعد من أعلام العراق البارزين نذكر منهم على سبيل المثال الدكتور عبد الجبار عبد الفتاح العماري والدكتور عبد الغني زلزله والمهندس عبد الخالق كرم الوتار وأخيه الدكتور عبد الواحد وغيرهم.
وفي قضاء علي الغربي أشرف السيد جعفر العلاق على العروض المسرحية بنفسه وهو من أبرز الشخصيات الدينية والوطنية المعروفة في قضاء علي الغربي الذي سجن مع قادة ثورة مايس عام 1941 في معتقل العمارة وأمضى بضعة أعوام معتقلاً.
وأما الفتيات اللواتي صعدن المسرح في العمارة وأقضيتها هن بنات المربين الكبار الذين علمونا الحرف العربي لأول مرة في حياتنا ودرسونا آيات القرآن الكريم أمثال ميسون عبد الغني الحكيم وعربية توفيق لازم اللتين صارتا من أعلام العراق أيضاً فميسون اليوم واحدة من أشهر الطبيبات العراقيات في التشخيص بالسونار وعربية أستاذة في تاريخ آداب اللغة العربية ولها عدد من المؤلفات وأشرفت على مجموعة من طالبات الدراسات العليا في جامعات القطر. . والعمارة أنجبت الدكتور فاضل خليل عميد أكاديمية الفنون الجميلة في العراق والدكتور فاضل سوداني الذي أبعدته السلطة الحاكمة فأصبح سفيرنا المتجول هناك.
إن السجاد اللامي والكناني والزوالي والبسط واليزر والغطاوي ذوات الألوان الزاهية والأشكال الجميلة كانت تجمل سوقاً كبيراً في مدينة العمارة منذ العشرينات، وهو سوق السجاد.
وإن أعمال الصياغة والنقش على المعادن الثمينة التي تفنن بها إخواننا أبناء طائفة الصابئة المندائيين كانت تحتم على السياح والزوار الأجانب على اقتنائها مهما كان الثمن غالياً والاحتفاظ بها للذكرى أمثال أعمال الشيخ عنيسي الفياض وهو أستاذ صياغة الميناء والصائغ الخاص للملك واعمال الصائغ زهرون وولده (حسني) اللذين أشار بإعجاب منقطع النظير إلى مهارتهما طبيب الأسرة المالكة آنذاك سندرسن باشا. وقد رافق (زهرون) الملك فيصل الثاني والوصي عبد الإله في سفرة إلى باريس ذات مرة وما زال متحف (اللوفر) محتفظاً بأعمال هذا الفنان الفطري.
ومن الصياغ في فترة الثلاثينات عزيز زهرون وسليم كالوس اللذين اشتهرا بعمل الهدايا من الذهب المحلي بالميناء الملونة.
والصائغ عباس عمارة الذي كان فناناً متألقاً مبدعاً طاف بفنه أمريكا ودول أوربية كثيرة وأشترك في معارض عديدة هو والشيخ عبد الشيخ محيي. . وبنتاجاتهم تلك كان أبناء العمارة يفتخرون إذْ كانا يختمان كل عمل فني ينجزانه بعبارة شغل عمارة (Amara Work) .
كما أن الآثار واللقى المتنوعة من المصنوعات الفخارية والخزفية المزججة والمزخرفة بأشكال وحجوم مختلفة من أوان وجرار وكسرات وشفقات جرار التي كان يعثر عليها الناس بين فترة وأخرى في (اليشن) وهي بقايا مدن مندرسة منتشرة في كل جزء من أجزاء مدينة العمارة.
كانت تلك إشارات عن الفن التشكيلي الفطري الذي كان له تأثير غير مباشر على فنانينا الذين بدأت تجاربهم تنضج شيئاً فشيئاً عندما فتحت المدارس أبوابها وذلك في منتصف عام 1917م.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.