مذكرات سجين في مخابرات صدام

1

قبل أسبوع من أطلاق سراحنا جاء أحد الحراس وفتح علينا الشباك الصغير الذي يتوسط الباب والذي كنا نتسلم منها وجبات الأكل، وقال لنا تهيؤوا بأن مسؤولاً رفيعاً سيأتيكم بعد قليل ليجيب على أسئلتكم. وفرحنا كثيرا ورغم عدم علمنا عن سبب مجيء هذا المسؤول الكبير، والشيء الوحيد الذي كان يهمنا هو اقتراب نهايتنا هناك، ولم يمضِ كثير وأذا بالشباك ينفتح ثانيا ويقول الحارس (( الكل ينهض ويقف وظهره على الحائط )) ويبتعد ليتقدم المسؤول الرفيع لينظر إلينا واحدا واحدا ويقول : ها أشلونكم هسه؟ وجاوبناه بالشكر ورشقناه بأسئلتنا واحداً تلو الآخر، وإذا به ابلغنا بأن اللجنة التي تدرس قضايا المحكومين قررت شمولنا بعفو الرئيس العراقي المقبور وسيطلقون سراحنا بعد مقابلة مدير رئاسة المخابرات العراقية والذي كان في حينه المقبور برزان التكريتي. في يومه جلبوا لنا ملابس جديدة وماكنات حلاقة ووجبات أكل أفضل. في اليوم الثاني جاء أثنان من الحراس وربطوا أيدينا ووضعوا نظارات سوداء على عيوننا واقتادونا عبر السلالم وبدون ضرب وإهانة في هذه المرة، إلى طبقة تحتية ومنها إلى قاعة كبيرة وإذا ببرزان التكريتي يأمرهم ليفتحوا عيوننا ويقول لنا : – أنتم يا خونة ومجرمين وجواسيس وعديمي الشرف، أنتم كلاب لا تستحقون الحياة في هذا البلد ولو كان بيدي لقتلتكم كلكم الآن ولكن الرئيس العراقي عفو وكريم ورحيم وسموح عفا عنكم لتعودوا إلى أهاليكم ويجب عليكم أن تعدوني الآن بأنكم لن تخونوا بلدكم ثانية ولا تتآمروا ولا تشاركوا بأي عمل معاد لنا وبل تتعاونون مع الأجهزة الأمنية إذا وجب ذلك في مدنكم والا في المرة القادمة لايفيدكم لا صدام ولا عدي ولا غيرهما والله اعدمكم كلكم حتى اطفالكم الرضع يا أبالسة. وبعدها صاح على الحراس ليعيدونا إلى الغرفة ثانية وحتى دون أن يسمع إلينا. وبعدها بيومين أخذوا ثلاثة محكومين كانوا عسكريين لتسليمهم إلى وحداتهم وبعدها بساعات أخذوا أثنين آخرين من أبناء محافظة ديالى و رجلاً كبيراً في السجن كان محاميا معروفا في بغداد نسيت أسمه . وبعده جاء دور المحكومين الأكراد وأخذوهم أيضا ولم يبقَ في الغرفة المظلمة غيرنا نحن التركمان وأخذونا في ليلة باردة إلى كركوك الحبيبة مارين بقضاء الخالص والعظيم وطوزخورماتو ومنها بدأنا نتنفس الهواء التركماني من جديد رغم تلوثه بزفير حراس النظام الصدامي ، وبعدها بداقوق وتازه خورماتو وأخيرا وصلنا كركوك وأودعونا في زنزانات ثانية ليوزعونا بعدها واحدا واحدا إلى بيوتنا. وصلنا إلى أبو غريب في الساعة السادسة والنصف من صباح اليوم الثاني أي استمرت الرحلة من كركوك إلى أبو غريب حوالي الست ساعات. وأنزلنا أمتعتنا لنبدأ مسيرا على الأقدام (3 كيلومترات ) وبعدها وقفنا في طابور طويل وعريض عند الباب الخارجي للسجن إلى أن جاء السجانة والموظفون المكلفون بتفتيشنا وتسلم هوياتنا والوثائق التي بصحبتنا، وبعدها فتحوا الباب وختموا على أيدينا ودخلنا السجن فردا فردا. عرفني بعض السجانة ورحبوا بي كزائر وليس كسجين في هذه المرة. وأندهش جميع نزلاء سجن الأحكام الخاصة برؤيتهم لي وعانقوني وقالوا (حمد الله على سلامتك) وهنؤوني على النجاة حيا من أيدي المجرمين الأشرار. كانوا يظنونني والذين نقلوا معي إلى المخابرات قد نلنا نفس مصير الكثيرين من المحكومين الذين أخذوهم الجلادون وقتلوهم. أي أعدمنا ودفنا في أحد المقابر الجماعية.

قمت في بداية زيارتي وقبل أن أجلس مع شقيقي وسفرداشى سعدون كوبرولو بجولة في أقسام السجن وزرت رفاق النضال الذين كنت معهم في المعتقل أو سجن أبو غريب كالمرحومين ( محمد عزة الخطاط، فاتح شاكر ساعتجى، بهاء الدين قوجاوا وصباح نور الدين كونياجى ) و( نهاد آق قويونلو، عزالدين طوزلو، نجم الدين قصاب، محمد كريم، أسعد قادر رشيد، عزام مصطفى، صلاح تازه لى ومحسن جوبان ) وحدثتهم عن مدة وجودنا في معتقل المخابرات الثانية والأوضاع في الشارع العراقي (السجن العراقي الأكبر). وبعد إيصال ما جلبناه من مواد غذائية ومتطلبات أخرى وصحف وكتب لشقيقي سعدون كوبرولو إلى القاعة التي كان ينزل فيها، كانت محطة جلوسنا في الخيمة التي هيأه لنا بنفسه في الساحة الكبيرة. وأول ما جلسنا سألني لأحدثه عما جرى لنا منذ أن أخذونا مأمورو المخابرات إلى أن أطلقوا سراحنا من الاعتقال. فتحدثت إليه من الألف حتى الياء ومثلما تحدثت إلى دايي سليمان ونحن نتناول وجبة الغذاء في السجن (من ما طبختها الوالدة العزيزة) مع بقية أفراد العائلة وخالتي العزيزة .وبعدها شاركنا الحديث العديد من السجناء الذين زاروني في الخيمة ورحبوا بي. كان يوماً جميلاً وأسعد من أيام العيد أيضا. كانت الزيارة قصيرة جدا أربع ساعات فقط، مرت وكأنها أربع دقائق فقط . انتهت بصفارة الضابط الخفر لذلك اليوم. وودعنا شقيقي وبقية الزملاء المحكومين. ونحن نخرج من السجن جمعونا السجانة، الرجال فقط في ساحة صغيرة لكي يبدؤوا بتعداد المسجونين والتأكد من عدم هروب أحدهم. واستمرت العملية التعدادية ساعة ونصفاً، وبعدها أعطونا هوياتنا ومستمسكاتنا وسمحوا لنا بالخروج من السجن. وبدأنا السير على الأقدام ثانية إلى الباب الخارجي للسجن وعندها كان المرحوم دايى سلمان في انتظارنا. وصعدنا السيارة ليعود بنا إلى بيوتنا في كركوك ثانية.كنت أزور سجن أبو غريب في كل شهر مرة. عندما أتمتع بالإجازة الدورية. وكنت ألتقي جميع السجناء التركمان وأنقل إليهم أخبار الشارع العراقي والحكومة البعثية الدكتاتورية. لا أنسى أبدا تلك اللقاءات الجميلة والجلسات الطيبة مع كل من مناضلينا التركمان الأبطال الذين ذكرتهم بالإضافة إلى مسجونين دخلوا السجن بعد إطلاق سراحي من أمثال(الدكتور صادق عرفات، المناضل التركماني والشهيد البطل يشار جنكيز ومنير القافلي ) وآخرين لا أتذكرهم الآن أرجو أن يسامحوني في عدم ذكر أسمائهم. وعندما علمت العناصر الأمنية بزياراتي المستمرة إلى السجن والتقائي بالسجناء التركمان شددوا علي الرقابة في كركوك وأبلغوا الإستخابارات العسكرية بذلك لكي يبلغوا وحدتي العسكرية حتى يقلصوا أجازاتي الدورية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.