الغاز المصاحب والكهرباء وأمنيات العام الجديد

منذ سنوات طويلة يعاني العراق من افتقاره إلى إمكانيةِ معالجة مشكلة تسرب الغاز الطبيعي المصاحب لاستخراجِ النفط الخام، الأمر الذي تسبب بتعرضه إلى خسائرٍ مالية كبيرة وصلت بالاستنادِ إلى بياناتِ شركة شل النفطية المتخصصة إلى نحوِ خمسة ملايين دولار يومياً نتيجة الاستمرار بعمليةِ حرق ما يقرب من مليارِ قدم مكعب من الغازِ المصاحب يومياً، ولاسِيَّمَا ما يتبدد من الحقولِ النفطية في جنوبي البلاد بدلاً من الاستفادةِ منه عبر استثماره في أغراضٍ صناعية متعددة بوسعِها المساهمة في مهمةِ التأسيس لمشروعِ التنويع الاقتصادي جراء قدرة صناعة الغاز الطبيعي في المساهمةِ بدعمِ بعض القطاعات الأساسية مثل البتروكيماويات، صناعة الحديد والصلب، السمنت، توليد الطاقة، وتحلية المياه.
إنَّ إهمالَ الحكومات العراقية المتعاقبة لأعوامٍ طويلة مشروعات الغاز الطبيعي، أفضى إلى هدرِ أحد أفضل مصادر الطاقة نتيجة الاستمرار في فعاليةِ حرق ما يقرب من ( 600 ) قدم مكعب من الغازِ المصاحب في الهواء لإنتاجِ برميل واحد من النفطِ الخام. إذ تشير إحصائيات مراكز عالمية متخصصة إلى أنَّ العراقَ يعد من ضمنِ ثالث أعلى ( 20 ) دولة في العالمِ بمعدلاتِ حرق الغاز، حيث يخلف حوالي (80 % ) من الغازِ الطبيعي غير المستغل في العراق آثاراً سلبية جسيمة تتجسد بأضرارٍ اقتصادية، بيئية، صحية، فضلاً عن أضرارٍ أخرى في القلبِ منها التأثير بظاهرةِ الاحتباس الحراري، حيث أنَّ فعاليةَ التخلص من الغازِ المصاحب بوساطةِ حرقه في سماءِ البلاد من شأنِها تسميم الأجواء بملايينِ الأطنان من غازِ ثاني أوكسيد الكربون الذي يعد الغاز الرئيس المسبب للاحتباسِ الحراري بفعلِ مساهمته في إعاقةِ تسرب الطاقة الحرارية من الأرضِ إلى الفضاءِ، ما يفضي إلى رفعِ درجة حرارة الأرض.
من المهمِ الإشارة هنا إلى أنَّ مهمةَ استثمار الغاز الطبيعي المصاحب تعد عمليةَ صعبة ومعقدة؛ بالنظرِ لإلزامِها المستخدم القيام بسلسلةٍ من المراحلِ المتتابعة بقصدِ تطهيره من موادٍ أخرى في مقدمتِها الماء والكبريت ومواد حمضية أخرى قبل أنْ يجري تجهيزه لمواقعِ الاستهلاك، الأمر الذي يفرض على الشركاتِ المعنية باستخراجِ النفط التخطيط مسبقاً لإنشاءِ منظومات استثمار الغاز التي تحوي محطات لمعالجةِ الغاز مع المشروعاتِ المقترحة لاستخراجِ النفط، حيث يتعذر نقل إمدادات الغاز بوساطةِ الأنابيب من دونِ إخضاعه للمعالجةِ بسببِ احتوائه على أحماض قادرة على تدميرِ جميع أنواع المعادن المستخدمة في صنعِ أنابيب النقل. وضمن هذا السياقِ تؤكد وزارة الصناعة إمكانية توظيف الغاز المحلي العراقي في الخطوطِ الإنتاجية الخاصة بعددٍ كبير من شركاتِها لأجلِ دعم عملها وتعزيز قدرة العراق الصناعية في المرحلةِ المقبلة، وبخاصة قدرتها على وضعِ آلية لاستغلالِ الغاز المصاحب لعمليةِ استخراج النفط من خلالِ التنسيق مع عددٍ من الشركاتِ العالمية، بالإضافةِ إلى تأكيدِ وزارة النفط في منتصفِ نيسان من العامِ المنصرم قدرة العراق دخول قائمة الدول المصدرة للغازِ الطبيعي عام 2019 م على خلفيةِ إعلانِها أنَّ عقودَ التراخيص الموقعة مع شركاتِ النفط العالمية تلزم الأخيرة إنشاء منظومات استثمار الغاز المصاحب!!.
نامل أنْ تترجمَ الحكومة العراقية دعوة وزارة الصناعة لتوظيفِ الغاز المصاحب بمشروعاتٍ صناعية إلى واقعٍ ملموس، وأنْ نشهدَ أياماً خالية من تبادلِ التهم ما بين إدارتي النفط والكهرباء حول تأمين مادة الغاز الطبيعي لمحطاتِ التوليد الحرارية بعد انقضاء أشهر عسل الكهرباء ( الوطنية )، وعودتها إلى سابقِ عهدها في تراجعِ معدلات تجهيز المواطن بالطاقةِ الكهربائية.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.