التحالف الدولي ‬والإئتلاف الإقليمي دور دولي متجدد وتفاعلات عالمية جديدة … الإرهاب تحوّل إلى ما يشبه قوة ثالثة في النظام العالمي

7

يخلط صعود جيل جديد من الإرهاب، ‬أكثر تطرفا وأشد خطرا، ‬الأوراق في النظام العالمي ‬وربما يخلق هذا الإرهاب الجديد أنماطا من التفاعلات تختلف في بعض جوانبها عما كان معتادا في العلاقات الدولية، ‬منذ نشأة الدول القومية أو الوطنية، لأنه يرمي إلى إقامة دولة «‬خلافة» ‬تستطيع «‬البقاء والتمدد»‬، ‬وفق الشعار الذي يرفعه تنظيم «‬الدولة الإسلامية»‬، ‬الذي لا يزال مشهورا باختصار اسمه السابق «‬داعش» وهذا تحول نوعي في هدف الإرهاب الذي كان محصورا، ‬على مدى عقود عدة، ‬في السعي إلى تحدي السلطات في بلاد رفع السلاح ضدها، ‬وحاول زعزعة أركانها، أو توجيه ضربات في دول ‬غربية أو ضد مصالحها في مناطق مختلفة في العالم من وقت إلي آخر وإذا كان «‬داعش» ‬قد توسع، ‬في الأسابيع الستة الأخيرة من عام ‬2015، ‬في تنفيذ عمليات خارج نطاق «‬الدولة»‬، أو السماح لأتباعه بذلك، فلم يغير هذا التطور جوهر استراتيجيته القائمة على الإمساك بأراض معينة، ‬وإعلان «‬دولة» ‬فيها ‬والأرجح أن هذا التوسع في العمليات «‬الخارجية»‬، خاصة منذ هجمات باريس المتقنة، ‬تدبيرا وتخطيطا وتنفيذا، ‬ينطوي على رسالة موجهة إلى الغرب الذي تشارك طائرات عدد متزايد من بلاده في قصف مناطق تمركز «‬داعش» ‬ومعاقله الأساس ولم يعد مفيدا لفهم التفاعلات الدولية الراهنة تجنب الفرضية المتعلقة بأن الإرهاب الراهن، الذي يمثل «‬داعش» ‬رأس الحربة المتقدم فيه، تحول إلى ما يشبه قوة ثالثة في النظام العالمي، فيما يبدو أنه إرهاص لحالة جديدة في مسار تطور هذا النظام في العصر الحديث. ‬وتنطوي هذه الحالة على بعدين فأما البعد الأول، فهو يتعلق بهيكل النظام العالمي الذي قد يتجه -‬إذا تأكد حدوث هذا التحول- ‬لأن يأخذ طابعا ثلاثيا يختلف عن اتجاهه العام خلال قرنين من الزمن، ‬كان هذا الهيكل فيهما تعدديا “‬أكثر من ثلاثي”‬، ‬أو ثنائيا، ‬أو أحاديا ‬وأما البعد الثاني، والأهم، فهو أن الإرهاب الذي يهدف إلى تقويض أركان النظام العالمي وقواعده كافة، ‬وإحلال منظومة مختلفة تماما محله، بات يملك من القدرة على التأثير ما يجعله إحدى القوى المركزية، بعد أن كان هذا التأثير ثانويا أو هامشيا من قبل وليس انتشار شعار “‬الحرب على الإرهاب” ‬على نطاق واسع على نحو يجعله الشعار الأكثر تداولا في العلاقات الدولية، ‬منذ منتصف عام ‬2014، ‬والسباق الذي دخلته قوى كبرى لاستخدام هذا الشعار لتحقيق مصالحها، ‬وتأويله بما ينسجم مع هذه المصالح، إلا أحد الشواهد التي تدل على ذلك, يبدو، ‬على هذا النحو، ‬أن النظام العالمي يتجه إلى تفاعلات تقوم على أساس صراع بين ثلاث مجموعات من القوى ‬فحتى مدة قليلة مضت، كان المشهد العام في النظام العالمي هو أن الصراع يتنامى بين القوى المحافظة التي تهدف إلى الحفاظ على استقرار النظام العالمي، ‬والالتزام بقواعده وترتيباته، ويطلق عليها أيضا ‬forces of” “order والقوي المراجعة التي تسعى إلى تغيير بعض هذه القواعد والترتيبات، ‬أو كثير منها، ‬وتعمل من أجل تعديلها وتطويرها، ‬ولكن باستخدام آلياتها في الأغلب الأعم، ويطلق عليها ‬forces of disorder”” غير أن هذا المشهد بدأ يختلف عندما تبين أن قدرات القوى الإرهابية وإمكاناتها أكبر مما كان مقدرا، الأمر الذي دفع الرئيس باراك أوباما للاعتراف بأن إدارته وأجهزتها الأمنية أساءت تقدير تلك القدرات، خاصة ما يمتلكه “‬تنظيم ‬داعش” ‬منها ‬ولذلك، ‬كانت الذكرى الثالثة عشرة للهجمات التي أطلقت الحرب الأولى على الإرهاب، ‬فور وقوعها ايلول ‬2014، ‬مناسبة لإعلان حرب ثانية عالمية هذه المرة، حيث سعت الولايات المتحدة إلى حشد أكبر دعم دولي لها ولم يمض عام على إعلان ذلك التحالف، ‬حتى كانت روسيا قد أرسلت عددا كبيرا من خبرائها العسكريين، ‬وحشدت قسما كبيرا من سلاحي الجو والدفاع الجوي لديها لشن ‬غارات في سوريا تحت الشعار نفسه “‬محاربة الإرهاب” ‬واقترن هذا التدخل العسكري الروسي ببناء ائتلاف إقليمي “‬إيران – العراق – سوريا” ‬مضاد فعليا للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، ‬رغم أن كليهما “‬التحالف الدولي، ‬والائتلاف الإقليمي” ‬يواجهان الإرهاب، ‬أو هذا هو هدفهما المعلن وليس متصورا أن يحدث هذا كله إلا في إطار تغير يحمل في طياته تحولات محتملة في أنماط التحالفات السائدة في النظام العالمي، ‬ومؤثرة في مستقبله ‬وربما يكون أول هذه التحولات هو اضطرار القوتين المحافظة والمراجعة إلى إعادة النظر في بعض حساباتهما، ‬كل بمقدار، والسعي إلى إعادة ضبط التفاعلات الصراعية بينهما، ‬في ضوء صعود قوة ثالثة مدمرة تهددهما والعالم معهما ‬وقد وجدنا مقدمات ربما تدل على ذلك في صورة مبدئية، ‬عندما تعاملت الولايات المتحدة وحلفاؤها بهدوء وحذر مع التدخل الروسي الذي لا يقتصر على شن ‬غارات جوية في سوريا، بل ينطوي على بناء ما يبدو أنها ركائز وجود عسكري قوي وواسع النطاق وطويل المدى في منطقة الساحل السوري وشرق البحر المتوسط غير أنه يصعب توقع المدى الذي يمكن أن يبلغه إدراك خطر القوة الثالثة المدمرة الصاعدة، وما يقترن به من سياسات ‬ولكن المنطقي في هذه الحال هو خفض السقف الذي يمكن أن يبلغه الصراع، ‬بين القوى المحافظة والقوى المراجعة، وليس تغليب التعاون على هذا الصراع، ‬لأن حالة عدم الثقة المتبادلة التي ازدادت بين الولايات المتحدة وروسيا، ‬في المدة الأخيرة، ‬تحول دون وضع حد لهذا الصراع، بل تنطوي على احتمال اشتعاله في أية لحظة، ‬رغم ترجيحنا سعي كل منهما إلى التحلي بأكبر قدر من الحذر، ‬في ظل تنامي تهديد الإرهاب، ‬ودخوله مرحلة نوعية جديدة فليس ممكنا، على سبيل المثال، أن نغفل دلالة نوع الأسلحة التي أرسلتها الدولتان إلى سوريا، ‬منذ بداية تشرين الاول ‬2015، ‬وحتى كتابة هذه الافتتاحية في نهاية تشرين الثاني من العام نفسه يبدو في كل الأحوال، وأيا تكون طبيعة التفاعلات بين أمريكا وروسيا وحلفائهما، أن تدخلهما المتزايد سيؤدي على الأرجح ‬إلى مزيد من تنامي الإرهاب، ‬ ‬فمن شأن هذا التكالب الامريكي تمكين الإرهاب من أن يظهر كما لو أنه قوة “‬مقاومة” ‬ضد قوى دولية عاتية طاغية، أو قوة تهدف إلى “‬تغيير العالم”‬، وهذا هو ما يسعي “‬داعش” ‬إليه، إذ يقدم نفسه كذلك في كثير من الأحيان ‬وينطوي خطابه على هذا المعنى ممزوجا بكل شيء ‬غيره تقريبا، ومستثمرا ما آلت إليه حال المنطقة العربية، ‬نتيجة عقود من الاستبداد، ‬والطغيان، ‬والظلم، ‬والفساد، ‬والإفقار، ‬والتهميش، ‬والتجهيل، ومتمكنا من تحويل تداعيات هذا كله إلى مصدر قوة له ‬ومن بين ما نجح في استثماره سياسات القوى الدولية الكبرى الفاشلة في الشرق الأوسط، والتي يعاد إنتاجها على نطاقات أوسع في الوقت الراهن وربما يؤرخ للمرحلة الراهنة بوصفها التي شهدت أكبر دعم دولي ضمني للإرهاب، ‬ترتب على سياسات القوى الكبرى خلال الأعوام الخمسين الأخيرة ‬فليست هذه هي المرة الأولى التي تؤدي فيها سياسات أمريكية، ‬وأوروبية، ‬ ‬إلى خلق أجواء تؤدي إلى تنامي الإرهاب وما اعتراف رئيس الوزراء البريطاني “توني بلير” بأن الحرب على العراق في اذار ‬2003 ‬ساهمت في تنامي الإرهاب إلا تعبيرا نادرا عن ذلك ‬فلم يكن هذا الاعتراف بالخطأ، والاعتذار عن عدم مشاركة بريطانيا في الحرب على العراق، هو أهم ما قاله بلير، ‬في مقابلة تليفزيونية مثيرة أجرتها معه شبكة “‬سي.إن.إن” ‬في ‬26 ‬تشرين الاول 2015 ‬فلا يقل أهمية عن ذلك إقراره بأن تلك الحرب كانت سببا رئيسا في تنامي الإرهاب، وأنها ساهمت في خلق البيئة التي أتاحت ظهور تنظيم “‬داعش” ‬بعد ذلك ‬وبعد أيام على تلك المقابلة، أعاد المرشح الديمقراطي المحتمل للانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة، ‬السيناتور “بيرني ساندرز” ‬تأكيد أن ‬غزو العراق ساهم في تنامي الإرهاب، ‬وظهور تنظيم “‬داعش”‬، وأن الولايات المتحدة تتحمل جزءا من المسئولية عن ذلك كان حديث “ساندرز” في مناظرة انتخابية ضمت مرشحين ديمقراطيين محتملين آخرين، ‬هما “هيلاري كلينتون” ‬و”مارتن أومالي” ‬غداة الهجمات الإرهابية في باريس في ‬13 ‬ تشرين الثاني 2015 ‬وكان مما قاله ساندرز “‬إن الاجتياح الكارثي للعراق، والذي عارضته في وقته، كان واحدا من أسوأ أخطاء السياسة الخارجية الأمريكية ‬فقد زعزع استقرار المنطقة بشكل كامل، وأدى إلى تصاعد الإرهاب، ‬وظهور تنظيم داعش” وعودة إلى حديث بلير في المقابلة التليفزيونية معه، نجد أنه قدم نظرة أشمل في المسألة الإرهابية، إذ أوضح أن حرب ‬2003 ‬ليست السبب الوحيد في تنامي الإرهاب، وأن ما يحدث في سوريا، ‬منذ ‬2011، ‬يلعب دورا كبيرا في هذا المجال ‬ويعني ذلك اتفاق بلير مع كثير من المحللين العرب والأجانب الذين يرون أن الإرهاب نشأ في منطقتنا لعوامل معظمها داخلية في الأصل، ولكنه تنامى وتوسع نتيجة سياسات بعض القوى الكبرى ‬فقد ظهرت الخلايا الأولى لحركات رفعت شعار “‬الجهاد”‬، بما فيها الخلية التي انتمى إليها “أيمن الظواهري” ‬زعيم تنظيم “‬القاعدة” ‬الآن، في أوائل ستينيات القرن الماضي لأسباب كانت محض داخلية غير أن عوامل خارجية ساهمت بقوة في تنامي الإرهاب، الذي بدأ محدودا في منطقتنا. التاريخ يعيد إنتاج نفسه في صورة مأساوية … دور القوى الدولية الكبرى في تنامي الإرهابأن عوامل تنامي الإرهاب عبر محطات ثلاث رئيسة على الأقل ‬ارتبطت المحطة الأولى بالدعم الغربي الكامل لإسرائيل في حرب ‬1967 ‬التي أحدثت نتيجتها المفجعة صدمة هائلة, صحيح أن أخطاء كثيرة تراكمت في مرحلة شهدت صراعات عربية بينية عنيفة، ‬واضطرابا عاما، وكانت هي العامل الأول وراء الهزيمة في تلك الحرب ‬ولكن الدعم الغربي لإسرائيل هو الذي جعلها هزيمة فادحة ومذلة، الأمر الذي دفع بعض الشباب إلى التمرد ضد أطروحات القومية العربية، والبحث عن بديل في تفسيرات دينية متطرفة مجافية لروح الإسلام وكانت المحطة الثانية عندما ‬غزا الاتحاد السوفيتي السابق أفغانستان لدعم نظام شيوعي استولى على السلطة بالقوة ‬فقد أدى هذا الغزو إلى تدفق أعداد كبيرة من الشباب من بلاد عربية عدة لمقاومة الغزاة تحت شعار “‬الجهاد” ‬وفي مجرى الحرب الأفغانية، ‬جرى تكريس مفهوم متطرف لهذا “‬الجهاد”‬، ووجدت حركات متعصبة بيئة ملائمة للتمدد، ‬في ظل مساندة من قوى دولية وإقليمية وقفت ضد الغزو السوفيتي لأفغانستان وعندما انتهت تلك الحرب بهزيمة الجيش السوفيتي وانسحابه، كان هناك فائض من المقاتلين وغيرهم من المتطرفين الذين شاركوا في أعمال الإسناد والإغاثة ‬وتبلورت في تلك المحطة مقدمات تنظيم “‬القاعدة” ‬الذي اعتمد على قادة ومقاتلين تعارفوا في أفغانستان أما المحطة الثالثة للدور الدولي في تنامي الإرهاب، ‬فهي تلك التي اعتذر بلير عنها ‬فقد أنتجت حرب ‬2003، ‬وطريقة إدارة الأوضاع، الظروف الملائمة لظهور “‬القاعدة” ‬في العراق وفي خضم هذا الصراع المذهبي، غير تنظيم “‬القاعدة في بلاد ما بين الرافدين” ‬اسمه إلى “‬الدولة الإسلامية في العراق” ‬ تصدرت حركات متطرفة المشهد، ووجد “أبوبكر البغدادي” فرصة ملائمة للتمدد عبر الحدود، ‬وتأسيس “‬جبهة النصرة” ‬في نهاية ‬2011، ‬ثم إعلان “‬داعش” ‬الذي استقطب قطاعا من تلك الجبهة، ‬حين رفضت قيادتها الالتحاق به ويمثل التدخل الدولي الراهن في سوريا، والذي صار ‬غير مسبوق في حجمه ونطاقه، ‬بعد التدخل العسكري الروسي، محطة رابعة في السياسات الدولية التي أنتجت توسعا في الإرهاب في مراحله المتوالية‬ ورغم أن في كل من المحطات الثلاث السابقة دروسا واضحة بشأن دور التدخل الأجنبي في تنامي الإرهاب، فقد تواصل هذا الدور ليصل إلى محطة رابعة بدأت بإعلان الولايات المتحدة تحالفا دوليا لمواجهة الإرهاب، ‬ومشاركة دول عدة في قصف مواقع لهذا الإرهاب ‬وجاء التدخل العسكري الروسي في سوريا ضمن هذه المحطة للتوازن قبال التدخل الأجنبي الذي قد يجني الإرهاب ثمارها هذه المرة بدرجة أكبر من سابقاتها، وكأن التاريخ يعيد إنتاج نفسه في صورة مأساوية, ما دمنا بصدد استدعاء التاريخ، فمن الضروري التذكير بأنه حافل بالدروس لمن يريد أن يعدّ ‬وهناك اتجاهات مختلفة بشأن فرضية إعادة إنتاج ما حدث في التاريخ ‬ويتفق من يرون أن التاريخ يمكن أن يعيد نفسه على أن هذا يحدث في صور جديدة، ‬نتيجة اختلاف الظروف، ‬وتغير الأزمان ويري “كارل ماركس” أن التاريخ لا يعيد نفسه إلا في صورة مأساة أو ملهاة ‬وإذا صح ذلك بالنسبة إلى التدخل الدولي الراهن في سوريا والعراق، فسيفاقم هذا التدخل الآثار السلبية للمحطة الرابعة في تاريخ مساهمة القوى الدولية الكبرى في دعم الإرهاب، وهي المحطة التي بدأت بالتدخل الأمريكي لإعلان تحالف دولي هش استغله “‬داعش” ‬لزيادة جاذبيته ربما تنجح روسيا هذه المرة في تجنب التورط في مستنقع من النوع الذي ‬غرقت فيه إبان تدخلها في أفغانستان، ‬والأرجح أنها ستتمكن من ذلك ‬ولكن هذا لا يحول دون أن يؤدي تدخلها العسكري إلى جذب مزيد من المقاتلين المؤيدين لـ “‬داعش”‬، وحصوله على حواضن مجتمعية جديدة وهذا احتمال يصعب استبعاده بثقة واطمئنان ‬فتدخل روسيا بصفة خاصة، وبخلاف أية دولة أخرى في المنطقة والعالم، يستدعي التاريخ، ‬ويخلط الحاضر بالماضي، لأن المقاومة الأفغانية لموسكو أصبحت مصدر إلهام للتنظيمات المتطرفة والإرهابية ولذلك، ‬فما إن بدأت روسيا حربها الحالية، ‬حتى شرع بعض هذه التنظيمات، وفي مقدمتها “‬داعش”‬، في استدعاء الحرب الأفغانية، ‬واستخدامها في حملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتجنيد مزيد من الأنصار، وكسب تعاطف في أوساط جديدة ‬واستغل “‬داعش” ‬الخطأ الفادح الذي وقعت فيه الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، ‬عندما وصفت حرب بوتين في سوريا بأنها “‬مقدسة”‬، قبل أن تحاول تدارك هذا الخطأ.‬مكافحة الإرهاب … الإهتمام بالعوامل المؤدية إلى التطرف وإهمال النتائج المترتبة عليهاتستطيع روسيا تحقيق تغيير في ميزان القوى في سوريا لمصلحة نظام الأسد، ومساعدته في استعادة عدد من المناطق التي فقدها ‬ولكن هذا “‬الانتصار” ‬قد يكون فادح الثمن، ‬إذا اقترن بنجاح “‬داعش” ‬في استغلال التدخل الروسي، المتوازي مع تدخل أمريكي – ‬غربي، لتجنيد أنصار جدد ‬وقد تكون النتيجة أكثر مأساوية إذا خلق هذا التدخل حالة تؤدي إلى نسخة إرهابية أكثر شراسة وانفلاتا من “‬داعش” ولذلك كله، ‬ربما تكون المحطة الرابعة لدور القوى الدولية في تنامي الإرهاب هي الأكبر من حيث ارتداداتها السلبية، ‬إذا ثبت ما بدأنا به، وهو استمرار السباق بين هذه القوى لمدة ‬غير قصيرة في مواجهة الإرهاب، ‬وتحوله إلى جزء من الملامح العامة لنظام عالمي، ‬تؤدي سيولته إلى أخطار عدة أخرى وهذا هو ما نود التنبيه إليه ‬فإذا راجعت القوى الدولية، التي تعرض كل منها قوتها فيما تسميه حربا على الإرهاب، تاريخ مواجهته على مدى نصف قرن، فربما تظهر في دوائر صنع القرار فيها، أو في بعضها، أصوات عاقلة تطلب مراجعة جادة، ‬وتدرك أن الإرهاب الذي تحاربه لم يكن موجودا قبل خمسة عقود، وأن رصاصاته الأولى الطائشة ارتبطت بقضية فلسطين التي تتحمل هذه القوى كلها المسؤولية عنها، وأن جذوره الضعيفة التي ترتبت على عوامل داخلية بدأت تقوى، ‬عندما لم تكتف هذه القوى بصنع كيان إسرائيلي، ‬بل قام معظمها بمساندة هذا الكيان في سياساته العدوانية التي أنتجت حرب ‬1967، ‬وتداعياتها التي سبقت الإشارة إليها في مجال الإرهاب ‬وأهم ما يمكننا استخلاصه من هذا التاريخ هو أن سياسات القوى الدولية الكبرى أدت إلى توسع الإرهاب بدلا من القضاء عليه، فضلا عن صناعة أشكال وأجيال جديدة منه، ‬آخرها حتى الآن ما صار يعرف باسم “‬داعش” ومع ذلك، لم تُقدم مؤسسات صنع القرار في هذه الدول على ما قد يكون بديهيا في مثل هذه الحالة، وهو مراجعة السياسات التي اتبعت في محاربة الإرهاب، ‬وإجراء نقد ذاتي لتوجهاتها وممارساتها، واستيعاب دروس الفشل، ‬سعيا إلى عدم إعادة إنتاجه في صورة أخرى فهذا الذي يبدو بديهيا لا تراه مؤسسات القرار في القوى الكبرى كذلك، ولم يشرع فيه أي منها‬ بل على العكس، ‬انجرفت كلها في المدة الأخيرة إلى إعادة إنتاج السياسات التي تحتاج إلى مراجعة، ‬بدءا من سعي الولايات المتحدة إلى تشكيل “‬تحالف دولي” ‬مزعزع يفتقد الحد الأدنى من التماسك في مواجهة تنظيم “‬داعش”‬، وصولا إلى التدخل العسكري الروسي في سوريا وحتى المؤتمر الذي عقد في واشنطن في بداية ‬2015، ‬تحت عنوان “‬المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب”‬، وبدا في حينه كما لو أنه يعبر عن اتجاه إلى مراجعة ما، تبين أنه لم يكن أكثر من حدث هامشي انتهى، ‬ولم يعد أحد يذكره كان الجديد -‬الذي لم يلبث أن “‬تبخر”- ‬في ذلك المؤتمر هو الاهتمام بالعوامل المؤدية إلى تطرف يتحول إلى إرهاب، وليس فقط بالنتائج المترتبة على هذه العوامل ‬وفي كل الأحوال، ليس ممكنا تصور مراجعة سياسات تواصلت على مدى عقود بمجرد عقد مؤتمر، وبدون مراجعة جوهرية لهذه السياسات، ‬وتقييم موضوعي لها فهذه المراجعة ضرورية من أجل بلورة سياسة جديدة تحارب الإرهاب، ‬ولا تؤدي تداعياتها السلبية إلى تعزيزه، ‬وصناعة المزيد منه ‬وبدون هذه المراجعة، قد يتعذر تطوير السياسة الأحادية التي تعتمد على القوة العسكرية وحدها، لتصبح متعددة الأبعاد، ‬وتشمل ما طرح في مؤتمر واشنطن بشأن “‬تأسيس شبكة دولية ضد التطرف العنيف”‬، و”إحباط جهود داعش لتجنيد مقاتلين أجانب ومحاربته على مواقع التواصل الاجتماعي”‬، و”تبادل المعلومات حول المتطرفين”‬، و”بناء دوائر خاصة على المستوى المحلي لمحاربة بذور التطرف في المجتمعات الأكثر هشاشة”‬، و”إطلاق مبادرات مضادة للتطرف والحض على العنف بمشاركة الفواعل المجتمعية والمنظمات ‬غير الحكومية”.‬

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.