نقاط الالتقاء بين «داعش» وعواصم الفتنة

jlpop

شهدت العاصمة العراقية بغداد ومناطق أخرى خلال الايام القلائل الماضية، عمليات ارهابية عديدة طالت المدنيين، واوقعت عشرات الشهداء والجرحى، فقط يوم الاثنين الماضي سقط ما لايقل عن خمسين شهيدا، واكثر من مئة جريح، جراء الهجوم الانتحاري بسيارات مفخخة واحزمة ناسفة في احد اسواق بغداد الجديدة وسط العاصمة، والهجوم الارهابي المزدوج في قضاء المقدادية التابع لمحافظة ديالى، فضلا عن عمليات ارهابية اخرى.تنظيم داعش الارهابي لم يتأخر في اعلان مسؤوليته عن تلك العمليات، وحتى لو لم يعلن عن ذلك، فإن طريقة التنفيذ وطبيعة الاستهداف يكفيان للقطع بأن داعش وراء ارتكاب مثل هذه الفظائع التي لا تمتّ الى النزعة الانسانية السليمة بأية صلة.ومع ان ذلك التنظيم الارهابي لا يتوانى قيد انملة عن استهداف الناس الابرياء في اي مكان وزمان، الا ان سلسلة العمليات الاخيرة، يبدو انها جاءت كردَّة فعل على الهزائم الكبيرة التي مني بها مؤخرا في مدينة الرمادي، وفي مناطق واحياء تابعة لمحافظة صلاح الدين. اذ ان المعروف عن داعش التكفيري انه غالبا ما يسارع الى فتح جبهات اخرى او الرد باستهداف اماكن تواجد المدنيين، حينما يتعرض لانتكاسات وهزائم في جبهة ما، وهو بذلك يحاول الانتقام والثأر من جانب، ومن جانب آخر يحاول صرف الانظار عن بؤرة الحدث (هزيمته) الى مكان اخر يسفك فيه الدماء ويزهق الارواح ويدمر الممتلكات، وبالتالي يطلق رسالة مفادها (اننا ما زلنا اقوياء وقادرين على القتل والتدمير).وسواء كان هدفه الانتقام والثأر، او صرف الانظار عن هزائمه الى اتجاهات وزوايا اخرى، فهو من خلال ذلك يعترف ويقر انه في وضع ضعيف ومربك لا يحسد عليه.ولا شكَّ ان ما تحقق في الرمادي خلال الاسبوعين الماضيين من انتصارات للجيش العراقي وأبطال الحشد الشعبي على عصابات داعش الارهابية ، اشر بوضوح الى قدرة وكفاءة الجيش العراقي والقوى الشعبية الساندة له على الامساك بزمام المبادرة، وحسم المعارك بنجاح باهر، والتقدم الى الامام بشجاعة وثقة.وقبل الرمادي، حصل ذلك في جرف النصر، وامرلي، والعلم، وسامراء، وبيجي، ومناطق اخرى، ومن الطبيعي ان الانتصارات المتتابعة للجيش والحشد والشعبي وابناء العشائر، مقابل الخسائر والانكسارات المتواصلة لداعش، ترسم صورة معينة، في جانب منها تعزز دموية واجرام الاخير، حينما تكون ردة فعله باستهداف الناس الابرياء في بيوتهم واسواقهم ومدارسهم ومستشفياتهم ومساجدهم.ويأخذ الهدف التدميري-التخريبي ابعادا دموية اوسع واشمل، حينما يتمحور حول مسعى احداث الفتنة الطائفية، عبر استهداف مكون من لون مذهبي اخر بصورة مركزة، لتأتي ردة فعل هذا المكون باستهداف مكون اخر بأسلوب انفعالي غير منضبط، وهذا ما انتهجه تنظيم القاعدة الارهابي طيلة اعوام عدة، ليأتي تنظيم داعش الذي ولد من رحم (القاعدة) ويواصل هذا الاسلوب، معزَّزا بخطاب سياسي واعلامي غارق في النزعة الطائفية التحريضية، والفتاوى الدينية المقيتة، والتسويق السياسي من عواصم عربية وغير عربية مختلفة.ولعل اثارة الفتنة الطائفية وايجاد التناحر والصراع بين الطوائف والمذاهب الاسلامية المختلفة هدف يلتقي عنده تنظيم داعش وقبله تنظيم القاعدة مع عدد من انظمة الحكم العربية، والتي في مقدمتها السعودية.ومثلما يستهدف تنظيم داعش الاجرامي المناطق ذات الاغلبية الشيعية بأسواقها ومساجدها وحسينياتها، ليوحي بأن المكون السني يقف وراء ذلك، فأنه فيما بعد يعمل على استهداف رموز واماكن عبادة تابعة للمكون السني، وكأن من استهدفها الشيعة كرد فعل على استهدافهم، وما حصل مؤخرا في قضاء المقدادية من هجمات على مساجد تابعة لديوان الوقف السني، بعد التفجير الارهابي المزدوج يمثل مؤشرا ودليلا واضحا على مثل هذا النهج. وما حصل من استهداف في محافظة بابل لمساجد تابعة هي الاخرى لديوان الوقف السني بعد قيام السعودية بتنفيذ حكم الاعدام بحق الشيخ نمر النمر لا يخرج عن ذلك النهج.ويتوقع خبراء في مجال الامن، ان يعمل تنظيم داعش الارهابي خلال الفترة المقبلة على زيادة وتيرة عملياته الارهابية ضد المدنيين والمؤسسات الحكومية للتغطية على هزائمه وانكساراته الميدانية من جانب، وعدم فقدانه الزخم المعنوي لعناصره من جانب اخر.وكذلك فإن ما يمكن ان يدفعه الى زيادة وتيرة العمليات الارهابية، هو التحريض والدعم الخارجي، انطلاقا من اجندات وخطط خاصة، لا يريد اصحابها استقرار العراق والقضاء على الارهاب فيه. وهذا يحتم على الاجهزة والمؤسسات الامنية العراقية اعادة النظر في بعض خططها واستحكاماتها، ومعالجة الثغرات والهفوات الحاصلة، كما هو الحال في عملية بغداد الجديدة، التي لايمكن القول بعدم وجود تقصير او قصور امني تسبب في وقوعها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.