الأمية السياسية في البلدان العربية

لا مغالاة في القولِ إنَّ الفعالياتَ السياسية الخاصة بالتعبيرِ عن مواقفِ أغلب القيادات العربية إزاء ما يحدث من وقائعٍ بمختلفِ أرجاء المعمورة تبقى دائماً أسيرة التسرع المستمد من تبعيتها المتأتية من مجموعةِ عقدٍ ورثتها عبر أجيال عن رواسبٍ اجتماعية ما تزال كتب التأريخ المشوهة للحقائقِ تحفل بها، فلا غرو أنْ تطغي هذه النزعةِ على رؤى بعض الزعماء العرب عند التعامل مع قضيةِ إقدام الحكومة السعودية على اغتيالِ الداعية المدني الشهيد الشيخ نمر باقر النمر.
لا أعتقد إنَّ ثمةَ خلافا حول حقيقة إصابة الغالبية العظمى من الزعاماتِ العربية بداءِ ( الأميةَ السياسية )، التي تعد أسوأ معطياتها العملية وأكثرها خطورة على واقعِ بلدانها في شتى المجالات هو إثارة عواطف أي منها إلى سرعةِ تصديق خرافة امتلاك أحد أكثر العقول عبقرية في مجالِ إدارة البلاد والعمل على نموِ اقتصادها بقصدِ رفاهية الشعب، مثلما حصل في كثيرٍ من الوقائعِ التاريخية التي أثبتت بما لا يقبل الشك تخلف الوعي السياسي للقياداتِ العربية، الذي أفضى إلى سلسلةٍ من الانكساراتِ والهزائم العسكرية والنكسات والمحن، التي ما تزال الشعوب العربية تدفع فاتورتها أنهارا من دماءِ أبنائها لأجلِ الحصول على أدنى حقوقها الأساسية في الحياةِ وحرية التعبير والعيش بكرامةٍ تضمن الخلاص من هيمنةِ سلطات القمع والاستبداد وتبعيتها لقوى الاستكبار العالمي، التي لم تكف عن شراسةِ هجماتها الرامية إلى تهديدِ وجود الشعوب والاستحواذ على ثرواتِها.
من نافلةِ القول إنَّ أغلبَ القيادات العربية، ولاسِيَّمَا التي يصفها الإعلام المأجور باصطلاحِ ( قيادات قوية بعيدة النظر ونافذة البصيرة )، ما تزال بعيدة عن تلمسِ حتى بضع نقاط محددة على محيطِ دائرة حرية التعبير. إذ يمكن تشبيه تعاطيها لفضاءاتِ حرية التعبير بمن يحاول تلمس أذنه بوساطةِ لسانه، فعلى سبيل المثال لا الحصر، غضت الإدارة السعودية البصر أمام الدعوات الكثيرة التي طالبت بإيقافِ حكم الإعدام بحقِ أشهر المدافعين عن الحقوقِ المدنية للشعبِ السعودي، ثم ما لبث أنْ سارعت إلى تنفيذه مطلع العام الجديد بعد أنْ أشعرتها دعوات الإصلاح التي أعلنها الشيخ النمر على مدى السنوات الماضية بتعاظمِ الخطر على سلطانِها الذي زاد من تفاقمِه تورطها في حربِ اليمن، التي ما تزال حبلى بصعوباتٍ كبيرة تعيق محاولاتها في الخروجِ من مستنقعِه.
يضمن الإعلانِ العالمي لحقوقِ الإنسان والعهد الدولي للحقوقِ المدنية والسياسية الحق في حريةِ التعبير مثلما أكدته المادة ( 19 ) من كليهما، التي تشير إلى عدمِ اقتصار أهمية حرية التعبير على كونِها حقاً قائماً بذاتِه فحسب، إنما بوصفِها ضرورة لتحقيقِ حقوق الإنسان الأخرى، الأمر الذي يؤكد حاجة الحكم الرشيد ومهمة التقدم الاقتصادي والاجتماعي إلى ترسيخِ أطر حرية التعبير، وعدم الركون إلى مجاملةِ الشعب في تضمينها دساتيرها مثلما حصل في كبحِ السلطات السعودية لدعواتِ الشيخ النمر الإصلاحية. وأدهى من ذلك إعلانِ دول ما تزال غارقة في أزماتِها الاقتصادية والأمنية مثل السودان، الصومال وجيبوتي مقاطعتها جمهورية إيران الإسلامية على خلفيةِ حادثة السفارة السعودية في طهران في وقتٍ تحتاج فيه هذه البلدانِ إلى ما متاح من الجهودِ المحلية والإقليمية والدولية التي من شأنِها المساهمة في إيجادِ مخارج لأزماتِها الداخلية التي أساءت لسيادتِها وعبثت بنسيجِها الاجتماعي فكان أن تحولتْ إلى أشباه دول.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.