روائيون بلا جوائز… روائيون منسيون

هعهه

ما هذه الحمّى التي ترافق جائزة «بوكر» العربية وأشباهها؟ معارك بالسلاح الأبيض لاقتسام الغنائم جغرافياً. غياب اسم بلد عربي ما من القائمة يستدعي النفير في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، فيما تحتفل قبائل أخرى بانتصاراتها المدوّية، نظراً إلى تمكّنها من سلب حصّة أكبر من الغنائم، كأن الفائز لم يكتب روايته بمفرده، بل بمباركة قبيلته وتشجيعها على خوض سباق الهجن الأدبي.سوف يكتفي بعضهم بوجود «بعيره» في الساحة، فيما يرفع راية النصر من غَنم «الناقة الأم». لكن هذه البهجة لن تستمر طويلاً، فما أن يطوي الموسم «رواياته» حتى يختفي معظم أصحاب هذه الروايات، وبالكاد نتذكّر أسماء بعضهم. سنقرأ عن ترجمات لهذه الأعمال إلى لغاتٍ أخرى، لكننا لم نسمع بأن أحدهم دقّ جدران خزّان القراءة العالمية بعنف. حمّى الجوائز أغرت أسماء مجهولة باقتحام ساحة التخييل الروائي على عجل، والانتساب إلى ورشات للكتابة لالتقاط أسرار الصنعة والخوض في مجاهيلها بأقل الأدوات صعوبة. دعك من الركاكة اللغوية، والأخطاء النحوية، ونسيان مصائر بعض الشخصيات في محطة قطار مسرع، فهذه أمور نافلة. المهم أن تلتقط أسرار الوصفة الناجحة، ثم ضع صينيتك في الماكرويف، كي لا تفوتك المواعيد المطلوبة لترشيح عملك. المسألة ليست معقّدة إلى هذه الدرجة، انس ما قاله ماركيز مرّة، حول أهمية «كيف تروي حكاية»، لتذهب الواقعية السحرية إلى الجحيم. اخترع توابل عن الاستبداد والمثليّة الجنسية، والبيئات الغرائبية، والتشويق البوليسي إن شئت. احذر أن تكون تجريبياً، أو أن تغامر بسرديات جديدة، فلجان التحكيم تفضّل الحبكات التقليدية. تجريبية ميلان كونديرا لا تفيدك هنا، فأنت تنتسب إلى لغة تقع في أسفل قوائم اللغات الحيّة. المترجمون لا ينظرون إليك كروائي، إنما ينشغلون بالجوانب السوسيولوجية للمناطق الملتهبة بالحروب والأوبئة وأسباب التخلّف. لا تخشَ أسماءً مرموقة في الحقل الروائي، ربما ستتجاوزهم بعد سباق المئة متر الأولى، هؤلاء سيزاحون من الواجهة ببساطة. عليك بالثرثرة الفائضة، كما لو أنك تكتب مسلسلاً تلفزيونياً على غرار «روبي»، فلجان التقويم تعتني بالحمولة الثقيلة، ويهمّها عدد الصفحات في المقام الأول، فإن كانت روايتك أقل من مئتي صفحة، فهي معرّضة لخطر الإهمال مباشرةً. لذلك أضف إليها فصلاً أو فصلين كنوع من الحلوى. الآن، ومثل أي شيف مطبخ بارع يجيد وضع المقادير جيداً لشورباء الفطر، بإمكانك أن تقتحم الساحة باطمئنان، ذلك أن أسوأ ما يواجهه الروائي أن يخلو سجّله الأدبي من جائزة. بالطبع أنت لا تتذكّر الآن، أو لم تقرأ في الأصل، أعمالاً لجبرا إبراهيم جبرا، وغالب هلسا، وهاني الراهب، وصبري موسى، وآخرين. إنهم روائيون بلا جوائز، لذلك فهم منسيون. انتبه لا تكرّر مأساتهم، كي لا يطويك النسيان، أقله لموسمٍ واحدٍ فقط.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.