الحرب الناعمة وسبل المواجهة

همجد

“ينبغي لوسائل الإعلام والنشطاء والسياسيين والمسؤولين الابتعاد عن الخلافات الهامشية غير المبدئية؛لأن الأولوية اليوم هي لمواجهة”الحرب الناعمة” التي يشنها العدو،والتي تستهدف بث الفرقة والتشاؤم بين أبناء الشعب..”.لا بدَّ في البداية أن نعرِّف المقصود بالحرب الناعمة،لأنَّها مصطلحٌ غير سائد في بلادنا والبلدان الإسلامية بل في منطقتنا، بل هي مصطلحٌ جديدٌ في الاستعمال العالمي،وعلى الرغم من مشابهتها في المضمون لمصطلحات أخرى كانت تستخدم للتعبير عنها بأشكال مختلفة: كحرب المعنويات،وغسل العقول،والغزو الثقافي،والحرب السياسية إلا أنها تختلف عن تلك المصطلحات اختلافاً كبيراً.
تعريف الحرب الناعمة
تعرف الحرب الناعمة على أنها الحرب التي تستخدم “القوة الناعمة”وهي التي عرفها جوزيف ناي بقوله:”القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلاً عن الإرغام”. وإنما انطلقنا من تعريفه لأنَّه أبرز الشخصيات الأمريكية التي كتبت عن هذا الموضوع حديثاً، وأصدر كتاباً بعنوان “القوة الناعمة”، وبالتالي فإنَّ كل ما نراه من تحركات أمريكية في مواجهة شعوب منطقتنا وفي كل لحظة من اللحظات التي تمر، إنما هي جزءٌ من الحرب الناعمة التي تستخدم أمريكا فيها القوة الناعمة. وقال ناي أيضاً: “إنَّ القوة الناعمة تعني التلاعب وكسب النقاط على حساب جدول أعمال الآخرين، من دون أن تظهر بصمات هذا التلاعب،وفي نفس الوقت منع الآخرين من التعبير عن جدول أعمالهم وتفضيلاتهم وتصوراتهم الخاصة،وهي علاقات جذب وطرد وكراهية وحسد وإعجاب”.
وهو عندما يؤسس للقيم والأسباب والمواهب التي تستخدم لخدمة القوة الناعمة في الحرب الناعمة، يخلص إلى أنَّ موارد القوة الناعمة تدور حول محاور ثلاثة:
الأول: “تعزيز القيم والمؤسسات الأمريكية، وإضعاف موارد منافسيها وأعدائها”.
والثاني: “توسيع مساحة وجاذبية الرموز الثقافية والتجارية والإعلامية والعلميّة الأمريكية وتقليص نفوذ منافسيها وأعدائها”.
والثالث: “بسط وتحسين وتلميع جاذبية أمريكا وصورتها وتثبيت شرعية سياساتها الخارجية،وصدقية تعاملاتها وسلوكياتها الدولية،وضرب سياسات أعدائها”.
إذاً عندما نتحدث عن قوة ناعمة تريد أن تقتحم بلداننا وأفرادنا، إنما نتحدث عن مشروعٍ أمريكي معاصر، اختار القوة الناعمة المقابلة للقوة الصلبة (المادية العسكرية)، لعجزه عن الوصول إلى أهدافه عن طريق القوة الصلبة، أو لتخفيف التكلفة الباهظة المترتبة عليها. وقد لجأ إلى القوة الناعمة ليخرِّب من داخلنا، وليسقطنا من داخلنا، بأيدينا وأدواتنا، من دون أن نلتفت في كثير من الأحيان إلى ما يحصل، بل نعيش أحياناً حالة الغبطة بما يحصل، يترافق ذلك مع تعديل القيم التي يريدون تأسيسنا عليها لتسود قيمهم، ثم نندفع بشكل طبيعي وعادي لتصديقها وتنفيذها، فيتعدّل سلوكنا تبعاً لها، فنتحول أتباعاً بدل أن نكون مستقلين وأصحاب قرار.
ومن أجل تحقيق تثبيت هذه القيم وتحقيق أهدافها، تستفيد القوة الناعمة من كل المؤثرات والرموز البصرية والإعلامية والثقافية والأكاديمية والبحثية والتجارية والعلاقات العامة والدبلوماسية، فلا تترك جانباً من جوانب التأثير إلاَّ وتدخل من خلاله، لتحقيق الموارد الثلاثة التي ذكرناها أعلاه، وإخضاع الخصم للمنظومة الغربية، كما تستفيد هذه القوة الناعمة من منظومة العولمة بأدواتها ووسائلها التي تتحكم بإدارتها أمريكا كقطب مركزي آحادي في العالم اليوم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.
الفرق بين الحرب الناعمة والحرب النفسية
تركِّز الحرب الناعمة بأساليبها على الاستمالة والإغواء والجذب، من دون أن تظهر للعيان، ومن دون أن تترك أي بصمات. في حين تركِّز الحرب النفسية والدعاية على إرغام العدو وتدمير إرادته ومعنوياته بصورة شبه مباشرة وعلنية.
إنَّ الوسائط والأدوات المستخدمة اليوم في الحرب الناعمة متوفرة وفي متناول الجميع من دون استثناء، ودخلت إلى كل البيوت 24/24 ساعة وعلى مدارها، في حين أنَّ الحرب النفسية توجه بشكل أساس نحو كتلٍ منظمة ومتراصة ومتماسكة وصلبة، مثل: الجيوش، والحكومات، والمنظمات التي تسيطر وتهيمن بصورة كلية على وعي وميول الرأي العام. فالحرب الناعمة تستهدف الجميع، وفي كل الأوقات، وبوسائل متنوعة جداً، وبجاذبية. أما الحرب النفسية فتتجه لإضعاف الرأس والقدرة والحكام والموجهين وتماسك الجماعة، على قاعدة أنها إذا أضعفتهم أسقطتهم فيسهل التأثير في الناس، فلا يبقى للجماعة قائد مؤثر، ويسقط القائد عند جماعته، ولا يصمد الحاكم أمام الضغوط فيفشل في توجيه الرعية التي تتخلى عنه، وهكذا..هذا الفرق هو الذي يُظهر لنا كم هي قدرة القوة الناعمة على أن تدخل إلى كل تفاصيل حياتنا بدءاً من الأطفال وانتهاءً بالشيوخ من دون تمييزٍ بين الرجال والنساء.
القوة الناعمة مع إبليس
القوة الناعمة بصورتها المعاصرة من الأبحاث الجديدة في وسطنا وفي العالم،ولكنَّ الله تعالى قد عرَّفنا على القوة الناعمة منذ بدء الخليقة مع إبليس،عندما ذكر الحوار الذي جرى بينه وبين إبليس،الذي رفض السجود لآدم (عليه السلام)، فطرده الله تعالى من الجنة عندها طلب طلباً واحداً من رب العالمين “قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ” فاستجاب الله تعالى له بإبقائه حياً إلى نهاية الحياة الدنيا “قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ، إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ”، ثم أعلن إبليس اتجاهه للوسوسة والإفساد والإغواء:”قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ”. إنَّها إرادة الله تعالى أن يكون إبليس رمزاً للفساد والانحراف من دون أن يملك السيطرة المادية المباشرة على أحد،فهو يعمل بالإغواء والزينة والتدليس والوسوسة:”قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ، مَلِكِ النَّاسِ ، إِلَهِ النَّاسِ ، مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ”، فلا يقوم بعمل عسكري ولا يقوم بعمل مادي مباشر فكل أعماله تدور حول التدليس والزينة والوسوسة. ويتحمل الناس مسؤولية الاختيار بأعمالهم حيث يكون تأثيره في الذين يستجيبون له أما المؤمنون فلن يستجيبوا له لتمسكهم بطريق الصلاح وإخلاصهم لله تعالى.من الذي يتأثر بهذه القوة الناعمة الإبليسية عبر التاريخ وفي الحاضر وفي المستقبل؟، يقول تعالى:”يَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ”، فلا بدَّ من وجود قابلية عند المتلقي كي يتأثر بهذه التوجيهات والإغراءات التي يقوم بها إبليس(لعنه الله). يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):”ولو أن الحقَّ خلُص من لُبس الباطل لانقطعت عنه ألسن المعاندين, ولكن يؤخذ من هذا ضغثٌ ومن هذا ضغثٌ فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه,وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى”. فالالتباسات التي تحصل إنما تكون بتشويه الحقائق وتزييفها،وما يجب الإلتفات له تلك الفكرة المركزية التي وجهنا الله تعالى إليها،وهي لب الموقف الرئيس الذي يجب أن نتخذه في مواجهة الحرب الناعمة. فقد أمرنا الله تعالى أن نعرف أولاً بأن إبليس عدو،ثم علينا ثانياً أن نتَّخذه عدواً،فالمعرفةُ والموقفُ متلازمان،وكما لا يمكن اتخاذ الموقف مع الجهل بالواقع، لا تكفي المعرفة إن لم يصاحبها موقفٌ وأداء يقول تعالى:”إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ”، فإذا اتخذناه عدواً أعددنا العدة اللازمة في عملية المواجهة، واستطعنا أن ننتصر عليه في مواقع عدة، والتفتنا إلى تقويم أخطائنا أو انحرافاتنا،فالتصويب على العدو أساس المعركة.
إستهداف العقل والنفس الإنسانية
تستهدف الحرب الناعمة العقل والنفس الإنسانية، وتتجاوز تأثيراتها الأفراد لتطول الجماعة، وهي بذلك تستغل طبيعة خلق الإنسان،وكما يقول الشهيد محمد باقر الصدر:”الإنسان خُلق حسياً أكثر منه عقلياً”،ولذلك هو يتأثر بالأمور المادية والإغراءات والغواية، وفي أحيانٍ كثيرة يبدو العقل وكأنَّه قد تعطَّل،مع أنه يعمل ولكنَّ مؤثرات الجسد تسيطر في كثير من الحالات على منطق العقل. وقد حذر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه وهم مجتمعون فقال:”كيف بكم إذا فسدت نساؤكم،وفسق شبابكم، ولم تأمروا بالمعروف،ولم تنهوا عن المنكر.فقيل له:ويكون ذلك يا رسول الله؟!،فقال: نعم وشرٌ من ذلك، فكيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؛فقيل له:ويكون ذلك يا رسول الله ؟!،فقال: نعم،وشرٌ من ذلك،فكيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً”. أي تنقلب الموازين رأساً على عقب، ليصبح الحقُّ باطلاً والباطلُ حقاً،ما يؤدي إلى أن تختلَّ المقاييس فلا تكون النظرة واحدة عند الناس في السلوك أو المناقشة أو المحاورة أو في التأسيس للمستقبل،ما يُسبب الخلل والإرباك والضياع في المجتمع.
يقول الإمام القائد الخامنئي(دام ظله):”الحرب الناعمة ترفع شعارات ودعايات محقة بالظاهر ولكنها باطلة في الباطن وتخلط الحق بالباطل،وللأسف فإن البعض يكرر دعايات وشائعات العدو عن قصد أو جهل”.
وهنا نذكر إمام الأمة مؤسس الجمهورية الإسلامية الإمام الخميني (قدس سره) الذي تحدث عن هذا الموضوع مبكراً، فقال:”مراكز الفساد الكثيرة التي أوجدوها, لنشر الفساد والدعارة ولإفساد الشباب, لم تظهر بلا غاية. لقد قاموا بإعلامٍ مكثَّف لهذا الأمر، فسخَّروا مجلَّاتهم ووسائلهم الإعلامية السمعية منها والبصرية خدمةً لهذا الأمر، الإذاعة والتلفزة، والوسائل السمعية والبصرية, كانت تدأب على جذب الشباب من الأسواق ومن الصحاري التي يعملون فيها، ومن الدوائر التي يخدمون فيها, إلى مراكز الفساد تلك, لكي يصنعوا من الجامعي إنساناً فاسداً، ويجعلوا من الموظف موجوداً فاسداً”، فإذا ما انتشر الفساد بين الناس، تكون الحرب الناعمة قد أثَّرت أثرها فتنساق النفوس إلى الانحراف علماً أو جهلاً،حتى أنَّ بعض السائرين على هذه الخطى كالسائرين على غير هدى،لا يعلمون البداية ولا يعلمون النهاية.إذاً نحن أمام قوة ناعمة تُستخدم للحربٍ علينا،والقاعدة الأولى والأساس الذي يجب أن ننطلق منه: أن نعرف وجود الحرب الناعمة من أجل أن نهيئ العدة الكافية لمواجهتها،وأن نضعها نصب أعيننا لنواجهها بعمليات الكر والفر، لنتمكن من ربح المعركة الطويلة التي بدأت مع فجر التاريخ،وتكرست الآن مع الهيمنة الأمريكية، ولن تتوقف عند حد،ولكنَّ السجال يحصل بالنقاط،فتارةً نربح فيها وأخرى نخسر فيها بحسب طريقة أدائنا والجهود التي نبذلها حتى يظهر قائم آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) كي يملأها قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.