عسكرة التنشئة … والصراعات العشائرية المسلحة

lk['p

ثمة عسكرة لاتنفصل عن ثقافة المجتمع، إلاّ أنها ليست عسكرة بالمعنى الشائع، بل هي تدريب على استخدام العنف وتبريره، هذا النمط تكلم عنه الدكتور علي الوردي في سياق تحليله لما أسماه التربية الزقاقية. وهي نمط من التنشئة ينمي في عقل الطفل فكرة ان الشجاعة هي تعبير عن قدرته على استخدام العنف ضد الآخرين. ان نموذج (الاشقياء) أو (الشقاوة) هو مفهوم للعنف مبرر ثقافياً. ويربى الطفل على أن يكون (سبع) و(قوي) وقادر على هزيمة الآخرين. وكانت الصراعات بين المحلات قائمة على قدم وساق يشاهدها الطفل ويتعلم منها في وقت مبكر كيفية استخدام بعض الأسلحة، هذا النمط من العنف، هو نمط ثقافي يكتسب بالتعلم عن طريق التنشئة الاجتماعية، وهو يعكس في جانب منه سلطة الذكور على الإناث، أو الكبار على الصغار، بل هو يتحول ليأخذ نمطاً بنيوياً، يتمثل في سلطة الرئيس على المرؤوس في الدوائر الحكومية والمدارس…الخ .
تقول الدكتورة ( فهيمة كريم )في كلية الآداب جامعة بغداد هناك مجتمعات للعنف فيها مرجعية ثقافية تستغلها الدولة حين تمزج بين أفكار تحظى بالقبول (الدفاع عن الوطن أو الدين) وبين فكرة ان الطفل (الذكر خصوصاً) يصبح رجلاً في وقت مبكر من العمر ، وبالتالي فإن عليه أنّ (يؤدي الواجب) من خلال حمل السلاح والدفاع عما يعدّ (مقدساً) ضد الآخر الذي يعد (مدنساً) فئة أو دولة أو ممثلي مذهب أو دين( ). والمشكلة ان الطفل ذاته، وهو في مرحلة يصبح، ينفعل ويندفع كي يؤدي مايعتقد –من خلال وسائل الدعاية- انه فعل مقدس.
في ضوء ما تقدم نستطيع القول أن هناك نوعين من العسكرة:
أ‌- عسكرة غير نظامية، ذات مرجعية ثقافية، مثالها مشاركة الطفل في الحروب والصراعات العشائرية أو الصراعات التي كانت تقوم بين محلة وأخرى أو بين طائفة وأخرى. ان هذا النمط يرتبط كلياً بالتنشئة الاجتماعية التي تبدأ بالأسرة، والمجتمع المحلي، وفي بعض الأحيان تغض الدولة النظر عن هذه الصراعات ولاتجعلها محل مراجعة وتقويم من جانب القوانين الوطنية. ان قانون دعاوى العشائر الذي فرضه الإنكليز بعد احتلالهم للعراق نموذجاً لذلك حيث أصبحت الصراعات العشائرية وما يترتب عليها من أضرار مادية ومعنوية تخضع لقانون عشيرة كما هو منتشر حاليا من سطوة العشيرة على حل النزاعات كافة بدون الرجوع الى القانون الوضعي , ومن هنا أصبح اشتراك الأطفال في حروب عشائرهم أمراً طبيعياً يعكس رجولتهم المبكرة.
ب‌- عسكرة نظامية ، وهي عملية التجنيد التي تقوم بها الدولة لجعل الأطفال جزءاً من قواتها المسلحة أياً كانت التسميات التي تطرحها منهم مثلاً: نظام الفتوة الذي روج له الملك غازي وكتائب الشباب/ وكتائب المهمات الخاصة/ والجيش الشعبي… الخ من التسميات. إن الأطفال –طبقاً لذلك- هم جنود في عمر مبكر يشغلون منزلات لاتتناسب مع منزلاتهم كأطفال ويمارسون أدواراً لاتنسجم مع الأدوار المطلوبة منهم كأطفال، في حالة كهذه، يُعرض الأطفال لنوع من التنشئة، التي تؤكد (رجولتهم) و(بطولتهم) و(وطنيتهم) مما يجعلهم يتماهون مع أنموذج البطل الذي ترسم التنشئة ملامحه وعناصر صورته، وغالباً ما يكون هذا البطل واحداً من قادة النخبة الحاكمة، فالأطفال (العسكر/الجنود) يحتاجون إلى رمز يحفزهم ويجعل اندفاعهم مبرراً.
اما الدكتور كريم حمزة فيقول إن هذه العسكرة قد تكون ذات وظيفة (Function) فالنخب الحاكمة، خصوصاً خلال الحروب والنزاعات تدرك ان النظام التعليمي يتراجع من حيث قدرته كعرض في مواجهة الطلب. كما يتراجع من حيث كفاءته. وبالتالي فإن الدولة إذ تدفع بالأطفال إلى أتون الصراع كأنها تخفف الضغط عن كاهلها في مجالات التعليم والصحة والخدمات الأخرى. فالدولة (أو النخب الحاكمة) تدرك ان الأطفال المجندين لن يغيروا مسيرة الحرب، إلاّ أنهم سوف يخففون الضغط على الخدمات (تمويلاً وكفاءة) .
كذلك فإن هذه العسكرة قد تخدم الأسر الفقيرة التي لاتستطيع أن تتحمل نفقات تعليم أطفالها أو توفير شروط صحتهم وتجد فيما تقدمه الدولة للأطفال المجندين (أجور ومزايا مادية كالغذاء والملابس) بعض الحلول لمشكلات حرمانها وضغوط حاجاتها .
إن الطفل حين يصبح جزءاً من منظومة عسكرية نظامية أو غير نظامية يفقد ابتداءاً احساسه بالطفولة وينمي إحساساً وهمياً بكونه (رجلاً)، كما انه يفقد قبل كل شيء حقه في الدراسة ويصبح عرضة للاغتصاب والانتهاك الجنسي، وتتعرض صحته البدنية والنفسية لمخاطر جسيمة، وهو حين يواجه صدمة الحرب، يجد نفسه وحيداً، لن الطفل لايجد الأمان والدعم إلاّ من والديه، وهما غائبان عنه، ان عسكرة حياة الطفل تعني تسميم حياته وتدمير مستقبله .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.