من ذاكرة الإحتلال مهدت الهند البريطانية لغزو العراق بإيعاز من لندن بعد إتفاقات تجارية

o[pp

مهدت دولة الهند البريطانية لغزو وأحتلال العراق بإيعاز من “حكومة صاحب الجلالة” في لندن تمهيداً لضمه إلى إمبراطوريتها من خلال سياسة أعتمدتها منذ وقت طويل جاوز مدة المئتي عام وذلك بعقد الاتفاقات التجارية وإرسال السفراء والقناصل والمستشرقين لدراسة المجتمع العراقي عن كثب، وتعزز ذلك من خلال تأسيس شركة الهند الشرقية البريطانية وما سمي لاحقا بيت لينج للتجارة مع الهند. ومع بدء الحرب العالمية الأولى في (أكتوبر/ تشرين الأول عام 1914م)، أنزلت حكومة الهند البريطانية الشرقية جيشا مؤلفا من خليط من بريطانيين وهنود في عدة فيالق بما سموا بجيش الليفي، حيث وطئت أرض أول جندي هندي بريطاني منطقة رأس الخليج العربي بين الكويت والبصرة وحدثت معارك بين القوات البريطانية وقوات العشائر العراقية تساندها القوات التركية، ومن أشهر تلك المعارك هي معركة (كوت الزين)التي أستشهد فيها الكثير من أبناء القبائل العراقية وعلى رأسهم الشهيد الشيخ شلال الفضل الوائلي رئيس عام عشائر الشرش في القرنة البصرة، ولكن قوة اسلحة الجيش البريطاني حالت دون النصر, وبعد حوالي شهرين تمكنت القوات البريطانية من سيطرتها على البصرة
أما موقع العراق الجغرافي وشكل تضاريسه غير المعقدة وموارده المائية والطبيعية والزراعية منحته عمقا استراتيجيا دوليا مهما في السياسة الدولية تقع بلاد العراق في الجزء الغربي من قارة آسيا، فيشكل العراق المدخل الحدودي للوطن العربي الكبير أو ما سمي اصطلاحا القارة العربية مع آسيا من الشرق والخليج من الجنوب والعالم العربي من الجنوب والغرب وتركيا ثم أوروبا من الشمال. وأطلق عليه الخليفة عمر بن الخطاب بقوله: “العراق رأس حربة الإسلام وحصن الثغور”. وهو أيضا مكون هام من مكونات بلاد العرب لكونه أحد أهم الولايات والأمصار التابعة للدولة العربية الإسلامية على مر العصور. وحيث أستقبل دولة الخلافة العباسية على أراضيه فكانت بغداد عاصمة الخلافة.
ودخل المغول بغداد في 1258م بعد مقاومة عنيفة، وفتكوا بأهلها سبعة أيام أو تزيد، وتم تخريب المدينة وحرقها وقتل سكانها وبذلك أنتهت الخلافة العباسية حيث أنتقلت الخلافة إلى استانبول لتبدا حقبة الخلافة العثمانية
حكم العثمانيون العراق كونه ولاية من ولايات الخلافة الإسلامية أما المماليك فحكموا ولايات العراق الأربع بين عامي 1775م – 1831م كولاة تابعين للدولة العثمانية، وتميزت مدة حكم المماليك بظهور دور ملحوظ للقوى الأوروبية وعلى الأخص بريطانيا وذلك من خلال الدعم البريطاني السياسي والتجاري للحكام الأغوات المماليك، الأمر الذي أضاف عاملاً جديدًا في إبقاء السلطة بيد المماليك وترسيخ السيطرة العثمانية غير المباشرة. انتهى حكم المماليك في أكتوبر/ تشرين الأول 1810 على يد العثمانيين لأسباب تتعلق بمحاولة حكم المماليك للعراق بشكل مركزي بعيدا عن سيطرة الدولة المركزية في الأستانة. وظلت الأسر المحلية في العراق تحكم بموجب فرمانات من السلطة العثمانية كأسرة الجليلي في الموصل وأسرة بابان في السليمانية.
خططت بريطانيا كدولة عظمى لاحتلال العراق وضمه إلى مجموعة ممالكها منذ عصر الاستعمار وهو حقبة ما بعد عصر النهضة في أوروبا. حيث نمت حركة استكشاف العوالم الجديدة في أصقاع الأرض النائية كالأميركيتين وأستراليا ونيوزيلاندا وغيرها لأسباب تتعلق بالهوس لاكتشاف عوالم جديدة ولإثبات كروية الأرض
كما جرت العادة على ضم هذه الممالك إلى الدول الكبرى ذلك الوقت كبريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا والنمسا وإسبانيا والبرتغال وهولندا وغيرها، وتوسع الأمر إلى التنافس بالهيمنة على الدول الأخرى غير الأوروبية أو ما يسمى بالسياسة الاستعمارية، وذلك لأسباب إستراتيجية تتعلق بالسيطرة على خطوط المواصلات العلمية التي تعدّ عصب الحياة الأوروبية في ذلك الوقت، فخطوط المواصلات تلك كانت تعدّ شريان الحياة للدول الاستعمارية وذلك بعد مدة الثورة الصناعية وحاجة تلك الدول للمنافذ التسويقية لتصريف بضائعها التي بدأت تتكدس جراء حركة الإنتاج والعمل على نطاق واسع بعد إشباع السوق المحلية الأوروبية، كما أنها في الوقت نفسه أضحت بحاجة إلى مواد أولية كالحديد والفحم الحجري والخشب وغيرها ولاحقا حاجتها إلى الأيدي العاملة الرخيصة لأدامة عجلة الصناعة المدنية منها والحربية المتنامية. ثم تعاضم دور الدول المستكشفة والتي تم استعمارها بعد اكتشاف النفط كوسيلة من وسائل حركة عجلة الحياة.
بريطانيا وكدولة استعمارية كبرى سبق أن هيمنت على الهند والتي أسمتها “درة التاج البريطاني” لما للهند من مميزات هامة على رأسها، وجود الموارد المعدنية من ضمنها التوابل بأنواعها وبكثرة كون الهند من الدول الأولى في إنتاج العديد من المواد الأولية كأرقى أنواع الخشب والتوابل وغيرها من المواد الأولية. وقوعها في وسط آسيا وعلى المحيط الهندي مما منحها موقعا استرتيجيا تعد بموجبه محطة للرحلات التجارية والاستكشافية والعسكرية البرية والبحرية تربطها بشرق وجنوب شرق آسيا حيث ارتبطت بريطانيا بعلاقات تجارية كبيرة مع الصين واليابان وكوريا وسيام وتايلاند وفيتنام وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا والفلبين، كذلك تعدّ هنا طمعت بريطانيا باحتلال الهند وبقي هذا الاحتلال قرابة أربعمئة سنة. ونتيجة هذا الاستعمار وجراء النضال الطويل الدامي للشعب الهندي تولدت حكومة محلية مرتبطة بالتاج البريطاني تتسم بنوع من الحكم الذاتي، وهي في نفس الوقت عضوا كومنويلث، تلك المنظمة التي تنضوى تحت لواء التاج البريطاني، حيث تكون شبه مستقلة من جهة إلا أنها تفتقر لوجود ملك أو رئيس حيث تكتفي برئيس وزراء كأعلى سلطة تنفيذية وأن تكون ملكة بريطانيا هي رمز الدولة، ويمثلها شخص يسمى بالحاكم العام، وهذا ما نجده حاليا في أستراليا وكندا وسابقا في الهند والعراق عندما حاولت بريطانيا ضم العراق. وسميت تلك الحكومة بحكومة الهند الشرقية البريطانية ولها حاكم عام ووزراء بريطانيون وموظفون وجيش مكون من ضباط بريطانيين الأصل مجنسين بالجنسية الهندية أما الهنود فكانوا يتبوؤون الوظائف الصغيرة كجنود في الجيش مع بعض الفيالق من الجنود البريطانيين. وكان لتلك الدولة الهجينة استراتيجياتها وأمنها القومي المنطلق من أمن الطبقة الحاكمة والحفاظ على النفوذ البريطاني في المنطقة وديمومة خطوط الاتصال والمواد الأولية لبريطانيا.
بقي نقص هام في المعادلة الاستعمارية، وهي الطرف الثاني من عقدة المواصلات، حيث من الجانب الآخر الموصل ببريطانيا كان هنالك خط طويل من المواصلات يمر عبر قارات وحضارات وتضاريس ومجتمعات متباينة وربما كانت تحت نفوذ دول استعمارية منافسة أو معادية، ممايعرض خط المواصلات هذا للتهديد، فخط المواصلات المتمم الذي يربط الهند من الجهة الثانية ببريطانيا يمر غربا عبر العراق عن طريق بحر العرب مرورا بالخليج العربي نحو ميناء البصرة الإستراتيجي، وخط السير هذا مكون من ولايات وإمارات تابعة للدولة العثمانية وتتناوب على احتلالها أحيانا هولندا والبرتغال. والعراق إضافة إلى كونه عقد مواصلات إستراتيجية هامة على مدى العصور وباختلاف الأزمان، طمحت بريطانيا للهيمنة عليه لبسط نفوذها على الجانب الآخر من خطوط المواصلات الذي يربطها ببريطانيا عبر الأردن وفلسطين اللتين وقعتا لاحقا تحت الانتداب البريطاني، ليكتمل خط المواصلات من خلال البحر الأبيض المتوسط حيث هيمنت بريطانيا على عدد من المحطات في رحلتها الاستعمارية تلك عبر البحر المتوسط كما فعلت في الهند وشرق الهند، فدأبت بالهيمنة على جزيرة قبرص المتاخمة للساحل العربي ثم جزيرة كريت التي تأتي بعدها في عرض البحر المتوسط وجزيرة مالطه القريبة الواقعة بين ليبيا وإيطاليا ثم استعمرت مضيق جبل طارق المحطة الأخيرة للبحر المتوسط والذي يقربها من الجزر العظمى لما اصطلح عليه ببريطانيا العظمى.
مهدت دولة الهند الريطانية لغزو واحتلال العراق بإيعاز من “حكومة صاحب الجلالة” في لندن تمهيدا لضمه إلى إمبراطوريتها من خلال سياسة اعتمدتها منذ وقت طويل جاوز مدة المائتي عاما وذلك بعقد الاتفاقات التجارية وإرسال السفراء والقناصل والمستشرقين لدراسة المجتمع العراقي عن كثب، وتعزز ذلك من خلال تأسيس شركة الهند الشرقية البريطانية وماسمي لاحقا بيت لينج للتجارة مع الهند. تلا ذلك عقد اتفاقية تجارية مهمة أسست بموجبها حكومة الهند البريطانية أسطول النقل النهري عبر ميناء البصرة مرورا بنهري دجلة والفرات لنقل البضائع البريطانية المارة من مستعمراتها عبر الهند إلى البصرة ثم إلى تركيا عبر دجلة والثاني إلى البحر المتوسط عبر الفرات المار بحلب القريبة من البحر المتوسط، وذلك بسبب طول المسافة لخط النقل البري القديم عبر الصحراء بين العراق والأردن ثم فلسطين وما يسببه من أخطار من تعطل وسائل النقل إلى تعرضه لسرقة قطاع الطرق الخ.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.