معادلة ما بعد تحرير الموصل

كثر الحديث هذه الأيام حول تحرير الموصل, وتعددت الأطراف التي تدّعي تبنيها التخطيط والتنفيذ، فأمريكا ارسلت قواتها, وصرّحت انها مستعدة لقيادة عملية لتحرير الموصل والرقة، وتركيا وضعت لها مسمار جحا في بعشيقة، أما السعودية فقد افصحت, عن قرار خليجي بالمشاركة المباشرة, في سوريا وربما غير مباشرة في العراق، ولا اعتقد ان عاقلا يمكن ان يصدق نوايا هذه الدول وجديتها, وان الهدف المشترك لها, هو القضاء على تنظيم داعش، فأمريكا وقفت طيلة السنة ونصف الماضية, موقف المتفرج تنتظر الاطاحة بنظام بغداد من قبل داعش, حتى تتخذها ذريعة للتدخل بحجة حمايته, وبعد ذلك اعادة تشكيله, وفق رؤية جديدة تعيد الحق الى أهله البعثيين، الذين اثبتوا انهم أفضل كلاب صيد وحراسة يمكن ان يخدموا مصالحها، وخير من يقف سداً أمام الشيعة والنفوذ الايراني، وبعد فشل داعش بالوصول الى هذا الهدف، نتيجة الدور الكبير لفصائل المقاومة والحشد الشعبي والتي فوجئت أمريكا بقوتها وشراستها وشجاعتها، جاءت أمريكا بجيشها لتصادر هذه الجهود والدماء ولتعيد احتلال العراق مرة أخرى بحجة تحرير الموصل.
ولذلك فان الهجمة الاعلامية الشرسة, ضد فصائل المقاومة والحشد الشعبي، وافتعال أحداث أمنية وصدامات طائفية في ديالى وبابل ، تدل على ان هدف تحرير الموصل, لا يتحقق حتى تتم اعادة توازن القوى, للأكراد والسنة مقابل الشيعة, الى مرحلة ما قبل الموصل، أي ان معادلة البارزاني, التي راهن عليها كثيراً, في فرض واقع ديموغرافي جديد على العراق, وفق معادلة ما قبل الموصل وما بعدها, قد انقلبت عليه وعلى مخططي ومنفذي احتلال الموصل, بعد ان برزت قوة عسكرية مرعبة, قادرة على اكتساح داعش والبيشمركة، مما شكل خطراً فادحاً على الوجودات المرتبطة بأمريكا، وهذا يعني ضرورة تصفية الحشد الشعبي أولا, ومن ثم انهاء وجود فصائل المقاومة ثانياً.
وما اجتماع السفير السعودي بمجموعة من السياسيين السنة, والذي تزامن مع اعلانها التدخل العسكري المباشر في العراق وسوريا, إلا دليل على ان هدف افتتاح السفارة السعودية في هذا الوقت, هو قيادة الجهد السياسي والعسكري السني ، ولهذا تم اختيار سفير بمواصفات أمنية عسكرية، والتواجد على الأرض لإدارة المعركة, انجح من الادارة عن بعد، ولا شك ان هذا الاجتماع ستعقبه لقاءات أخرى, وأخطرها ما يجري في الخفاء، أما المعلن منها فهو رسائل واضحة المعالم، تعيد رسم المشهد السياسي العراقي, بطريقة تصادمية وعدوانية، لا تختلف عن الخيار السعودي في اليمن.
وبالتالي نحن اليوم أمام معادلة جديدة, تعمل أمريكا والسعودية وتركيا, والقوى السنية والكردية فرضها علينا، وهي معادلة ما بعد تحرير الموصل، والتي ينبغي على العراق دفع ثمنها، وهو اقتطاع أجزاء منه وضمها الى دويلة مصطنعة, تمتد من الموصل حتى العمق السوري نحو الرقة, وتقسيم ما تبقى الى أقاليم, يتعمدون إبقاءها ضمن فدرالية مقبولة دستورياً, هدفها استنزاف ثروات الوسط والجنوب الشيعي، وعرقلة تطوره نحو مشروع دولة تمتلك من مقومات النجاح, ما لا تمتلكه الأقاليم الأخرى مجتمعة، معادلة لا تتحمل وجود مشروع المقاومة, الذي تصدى لهذه المخططات.
يبدو ان الشيعي الطيب هو الشيعي الميت أو الضعيف وخلاف ذلك ستبقى دوامة الموت والقتل والإرهاب تعيث فساداً في أرض العراق ويستمر المصنع الوهابي والبعثي والصهيوني ينتج موديلات جديدة من داعش والقاعدة والنصرة والنقشبندية ، أليس هذا يتطابق مع ما صرّح به النجيفي ولمّح اليه الجبوري ؟.

محمد محي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.