من الذاكرة السياسية لماذا تهكم السياسي الهندي محمد علي جناح على الوفد المصري ؟

كانت جولتنا في ربوع الهند قد بلغت بنا عاصمة الهند الحديثة “نيودلهي”، قبيل رحيلنا الى “لاهور”، عروس البنجاب، التي نالها من ويلات التقسيم في العام الماضي ما لم ينل بلداً مثلها في الهند..
وكانت الرحلة ، في بعثة تمثل الوفد المصري، لحضور دورة حزب المؤتمر الهندي التي عقدت اذ ذاك في “جبل بور”، فكنا ضيوف حزب المؤتمر، كما كان ينزل البانديت جواهر لال نهرو ضيفا كريما على الوفد المصري قبل ذلك حينما كان يمر بالقاهرة في طريقه الى أوربا او عودته منها.
وكان زعماء المؤتمر يحرصون، مع نزولنا في ضيافتهم، على ان يتيحوا لنا كل فرصة سانحة للاجتماع برجال الرابطة الاسلامية: الذين كانوا يمثلون المعارضة في معظم الولايات التي يتولى المؤتمر زمام الحكم فيها، وعلى رأس هؤلاء المعارضين السيد محمد علي جنَّه (بالجيم المكسورة، والنون المشددة المفتوحة، والهاء). فهو اسم لا علاقة له باسم (جناح) الذي شاع عنه خطأ، ثم اصبح معروفا به في البلاد العربية، منذ اصبح حاكما للباكستان. وقد يدهش كثيرون اذا عرفوا انه رحمه الله ينحدر من اسرة هندوكية اعتنقت الاسلام .هيأ لنا حزب المؤتمر اذن فرصة الاجتماع بالسيد محمد علي جنه، فقصدنا الى قصره المنيف في قلب نيودلهي، لا يصحبنا احد من الهندوكيين او المسلمين.
واستقبلنا الرجل في مكتبه بالقصر، فلفت انظارنا بقامته الفارعة وجسمه الضامر الشديد النحول، وشعره الاشيب المرسل على مؤخرة رأسه كمعرفة الاسد، وعينيه النفاذتين وقد علاهما حاجبان كثيفان..
كان كل ما في الرجل يوحي بالهيبة، والقوة، والثراء، والثقة المطلقة بالنفس..
وجلسنا اليه نحن الاربعة: المرحوم محمود بسيوني بك، والاستاذ محمود ابو الفتح والاستاذ احمد حمزة، وكاتب هذه السطور.. فلم تكد جلستنا تبدأ حتى وجدنا انفسنا في وضع غريب لم نكن نتوقعه حين حرصنا على لقاء الزعيم السياسي الاسلامي الكبير، رغم حضورنا لمهمة معينة هي زيارة المؤتمر الهندي والاتصال بزعمائه الذين يتمتعون في الهند بالمكانة الشعبية التي يتمتع بها الوفد في مصر. بدأ السيد جنه يتحدث الينا في إسلوب هو أقرب الى الاستجواب، منه الى التبسط في الخطاب.. من انتم؟ لماذا جئتم؟ ما مهمتكم؟ كيف قبلتم ان تحضروا؟ هل تعلمون شيئاً عن شؤوننا؟.. الخ الخ..وهكذا انهالت علينا من اول المقابلة الوان من الاسئلة، لا يكاد احدنا يجيب عنها، حتى يستأنف السيد جنه حديثه في اسلوب من الجفاء يكاد يكون لوما وتقريعا، لمجرد حضورنا ضيوفا على حزب المؤتمر، رغم شدة حرصنا وحرص المؤتمر نفسه على تجريد زيارتنا من كل معنى طائفي او سياسي يفهم منه اننا نتخذ موقفا عدائياً ضد المسلمين الذين ليسوا اعضاء في المؤتمر.
وقد هممت أن أرد على مضيفنا ردا عنيفا حين استطرد في حملته علينا في داره، وهمست بذلك الى الاستاذ أبي الفتح فحال بيني وبين ما أريد، وآثر ان تفض جلستنا في جو من الهدوء وضبط الاعصاب.
واختتم الرجل حديثه بكلام طويل عن موقف المسلمين، ثم نهض واقفا، لينهي المقابلة فسلمنا وانصرفنا واجمين!
وقد خرجت من هذه المقابلة آسفا لحدوثها على الاطلاق. ولكني مع ذلك كنت اراجع نفسي كلما ذكرته ملتمساً للزعيم الشيخ عذراً في حلفائه، اذ كان النزاع الطائفي قد بلغ حد التوتر اثر المحاولات الفاشلة لتخفيف وطأته بالجمع بين زعيم الرابطة الاسلامية، وزعماء المؤتمر. وكان كثير من المسلمين الذين لقيناهم يودون او أخطرناهم قبل حضورنا، حتى تكون زيارتنا لهم مقصودة بذاتها لا مجرد مجاملة على هامش الغرض الحقيقي من الزيارة، وهو الاشتراك في المؤتمر الوطني الهندي. ولعلهم كانوا يجهلون اننا ذاهبون الى المؤتمر تلبية لدعوة من البانديت نهرو ابلغها اليّ صديقاه رفعة النحاس باشا، ومعالي مكرم عبيد باشا عند مروره بمصر.
على ان هذا الاحتكاك السيىء الحظ بيننا وبين السيد جنه، لم يحل دون اعجابي الشديد بشخصية الرجل، ولا أدري أي شعور خفي كان يذكرني وانا أنظر اليه واتفرس ملامحه، بصورة زعيم آخر، من اقلية اخرى، في بلد آخر.. وهو دزرائيلي، السياسي الانجليزي الذائع الصيت.. وقد كان دزرائيلي سياسيا قوي الشخصية، شديد الاعتزاز بنفسه معتدا بآرائه وكان خطيبا مفوها، بليغ العبارة، لاذعا قاسيا في هجومه.. مهيب الطلعة بوجهه الارستقراطي، وشعره الابيض المرسل، وقامته النحيلة..

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.