قصص من جحيم المقبور صدام .. الإستدعاء إلى الشعبة الرابعة في الإستخبارات العامة

kl;[po[p

اندهشت عندما أبلغني نائب الضابط قاسم مسؤول مكتب الوحدة بأن أتهيأ إلى مأمورية مفتوحة في بغداد. حيث لم أنتظر أبدا من السادة الضباط الرفاق البعثيين أن يبعثوني بمثل هذه المأموريات وهم يعرفونني خائنا لحزبهم ومبادئهم ولم أتوقع أيضا بأن المأمورية إلى مديرية الاستخبارات العامة في بغداد. وعند المساء وبعد أن جاء النائب الضابط ببريده من عند آمر الوحدة(الرائد محمد ربيع) أبلغني بأن أذهب إلى مكتبه ليسلمني كتاب المأمورية. وذهبت إليه وأعلمني بأن المأمورية إلى مديرية الاستخبارات العامة في بغداد/ باب المعظم قرب مدينة الطب. وتسلمت منه الكتاب وودعت أصدقائي الجنود وسافرت إلى بغداد.
في صباح السبت من أول أيام الأسبوع الثاني من آذار 1983 حضرت إلى مديرية الاستخبارات العامة ووجدت هناك بأن العشرات من الضباط الكبار بين ( عقيد وعميد ولواء وفريق ) من صنوف الجيش كافة بما فيه من مشاة وجوية وبحرية والجنود أيضا جاؤوا إلى هناك لغرض التحقيق معهم . وبعد أن سلمت كتابي إلى المأمور الذي كان جنديا بسيطا ويتصرف بصفة أكبر ضابط في الجيش العراقي كله، قرأه وكتب عليه مراجعة الشعبة الرابعة وأعطاه لي دون أن يكلمني فسألته أين الشعبة؟ فلم أزره من قبل فإذا به رد علي: ( ابحث عنها قبل أن يأخذوك هم قابضا ). فخرجت من عنده ووجدت عربة نقل بأجرة ( تاكسي ) فسألته عن العنوان فقال لي سأوصلك إلى هناك ولكن سيكلفك ثمنا غاليا. ولم يكن أمامي سوى الوصول إليهم بأي ثمن كان. وعند وصولي ودخولي إلى الشعبة من الباب الخارجي الكبير وسيري لأكثر من كيلومترين على الأقدام، دخلت إلى كرفانة ووجدت الآخرين الذين ينتظرون أدوارهم أيضا وسلمت كتابي إلى المأمور الذي قال لي اجلس وأنتظر. وجلست وطال الانتظار ساعتين وجميع الذين حضروا من بعدي قد رحلوا. إلى أن جاء دوري وصاح المأمور بأسمي(أوحيد عثمان) فقلت له أنا ( أوميد عثمان ) فقال: لا يختلف فالمطلوب هو أنت. وحضرت التحقيق الذي أجراه معي ضابط برتبة نقيب ودونه نائب ضابط/درجة ممتازة. فسألني الضابط بعض الأسئلة العامة ك ( سبب اعتقالي وتهمتي ومدة حكمي وبقائي في السجن وتاريخ إطلاق سراحي وعلاقتي مع الطورانيين التركمان وغيرها ) وقال لي تستطيع العودة إلى وحدتك الآن. فرحت بأن المأمورية انتهت بهذه البساطة وعدت إلى الوحدة وبدون تأخير ووجدت النائب الضابط يأخذني بالحضن ويقول الحمد لله على سلامتك. وسلمته الكتاب وقلت له ألم تنتظروا عودتي؟ فأجابني: لا . لأن ضابط التوجيه السياسي والذي كان معاون آمر الوحدة أيضا أبلغه بأنني انتهيت ولن أعود إلى الوحدة ثانية ( ظانا بأنهم سيعتقلونني ثانية ويعدمونني ). وسارع بالكتاب إليه وعند عودته قال لي النائب الضابط بأن النقيب عندما علم بأنني عدت من المأمورية سأل النائب الضابط: وكيف عاد؟ وأجابه عاديا وسيرا على الأقدام. وإذا بالضابط الحقير يسأله: عجيب ألم يكن محمولا على الأكتاف؟.
نعم ليس بغريب من أولئك المجرمين والحاقدين على العراقيين جميعا ولا يهمهم سوى أهاليهم ومناصبهم وإرضاء طاغية بغداد المقبور.
ومضت الأيام والأشهر حيث كنت الوحيد من مراتب مكاتب الوحدة أبقى ثمانية وعشرين يوما كاملا أو أكثر في الوحدة رغم كوني مسؤول مكتب الإعاشة وجميع مخازن الأرزاق والتجهيزات في مسؤوليتي وأقوم بأغلب واجبات المكتب. وأستمر الحال هكذا إلى أن نقل آمر الوحدة ( النقيب محمد ربيع ) والضابط الإداري من النواب الضباط الرفاق الذي ترقى رتبة الملازم ( نعمة كاظم جلوب ) وجاء مكانه ضابط إداري من الرفاق الحزبيين أيضا ( الملازم سمير فرج إرميض ) ، لكنه كان يحترمني ويقدر إخلاصي في عملي ويقف بجانبي ويدافع عني عند أمراء الوحدة وفي إدارة الفرقة 21 أيضا. وعندما أصبح النقيب الصيدلي محسن صالح آمر الوحدة تارة والنقيب الطبيب طارق عبد الرضا تارة أخرى والنقيب الطبيب عبد المحسن عبد الحسن أخيرا ارتحت كثيرا ولم أكن موجوداً في الوحدة أكثر من أسبوع وأذهب إلى أجازة أو مأمورية.
ولكن هذا الحال يبدو لم يعجب المأمورين من رجال الاستخبارات الذين كانوا يراقبونني باستمرار من خروجي من الوحدة إلى عودتي إليها. ولتكلفهم المراقبة كثيرا بسبب أجازاتي ومأمورياتي المستمرة قاموا بمخاطبة الجهات الاستخباراتية في بغداد وإدارة الفرقة لكي ينظروا إلى قضيتي وكيفية حصولي على مثل هذه الأجازات والمأموريات الكثيرة. وأرسل علي في وقته النقيب الطبيب عبد المحسن عبد الحسن وسألني أن أجيبه بصراحة عمّا أفعله عندما أتمتع بالإجازة أو أذهب إلى مأمورية وبمن ألتقي في كركوك؟ وبعد إجابته بكل صراحة صدقني وقال لي لا تخف أبدا وقم بواجباتك وسأكون أنا وضابطك الإداري( الملازم سمير فرج إرميض ) مسؤولين في الدفاع عنك في إدارة الفرقة وفي أي مكان يستوجب ذلك. وفي تلك الأوقات حيث كان ضابط التوجيه السياسي(النقيب عبد المحسن عبد الحسن) ومسؤول مكتبه والضابط الإداري إلى جانبي لم أكن خائفا من أحد رغم مخاطبة الاستخبارات العامة المتكررة لإدارة الفرقة وطلبهم بتقليص أجازاتي وعدم إرسالي إلى المأموريات تارة ونقلي إلى إحدى الوحدات الفعالة في الخطوط الأمامية من خط التماس مع العدو تارة أخرى. ولكن ضباطي الأفاضل كانوا يدافعون عني في كل مرة ويقولون إنني أقوم بواجبات الوحدة بكل إخلاص وجد ولا يستطيعون التخلي عني وكان قائد الفرقة ومدير إدارته وضابطه للتوجيه السياسي يحترمون آراء ضباطنا ويقدرونهم ( هكذا ضباط الوحدات الطبية في فرق الجيش معززون مكرمون لكونهم أطباء أو صيدلانيين ) ولأجله كانوا يخفون الكتب التي تصدر من مديرية الاستخبارات العامة وتوعز بنقلي إلى الوحدات الأمامية من الجبهة. ومرة أخذني (النقيب عبد المحسن عبد الحسن) آمر الوحدة إلى (العقيد الركن ضرغام) ضابط التوجيه السياسي الأقدم لفرقة المشاة الحادية والعشرين الذي طلب رؤيتي والتحدث مع آمري بخصوصي. فسمعت بأذني ورأيت بعيني كيف يدافع الآمر عني عند الضابط التوجيه السياسي وعن عدم تخليهم عني وعن واجباتي. فبقيت في الوحدة المذكورة إلى تم تسريحي من الخدمة الإلزامية بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.