الفن القصصي … بين الأصالة والحداثة

خالد جمعة
لو تلمسنا جذور الفن القصصي في الأدب العربي القديم ،لوجدنا النبع الثر والشواهد الكثيرة في قصص القرآن الكريم ،صحيح أن العرب في الجاهلية قد عرفوا لوناً من ألوان الحكاية في بعض قصص الأساطير الخرافية وقصص أيام العرب التي كانت تمجد بعض البطولات الفردية ،وتحاول أن تجد لها مكاناً في فن الملحمة غير أنهم لم يعرفوا الشكل الفني المتكامل للقصة إلا بعد ظهور الإسلام.
ولو رحلنا في تاريخ فن القصة لوجدناه يحاول الوقوف على قدميه مستفيداً من خبرته في القصص الدينية ،فنشأ فن المقامة التي تعتبر لوناً من التعبير النثري في أدبنا العربي ،وإن لم يرق إلى مستوى الأداء الفني الرائع في القصص القرآنية،وكانت الصفات الإنسانية من مروءة وشهامة وشجاعة هي أبرز الدواعي لهذا الفن القرآني عند العرب.وما أكثر الكتب العربية التي ضمت عديداً من الألوان القصصية.وهكذا عرف العرب القصص الديني ،والقصص الإنساني الذي ابتدعه العربي ،مما يؤكد وجود القصص في تراث العرب قبل وجوده عند غيرهم من الأمم التي تعد رائدة في هذا الفن .والملاحظ أن كثيراً من باحثينا ونقادنا يجمعون على أن فن القصة القصيرة بمفهومه الحديث هو فن أوروبي المولد والنشأة ،ثم وفد إلى أمتنا في أوائل القرن العشرين بعد ازدهاره في موطنه الأصلي .وهذا رأي بحاجة إلى إعادة نظر لوضع الأمور في مكانها الصحيح.وكان شكل القصة القصيرة في البداية أقرب إلى شكل الحكاية التي تسرد بضمير المتكلم أو ضمير الغائب ،فجاء السرد سمة غالبة عليها.وظل الشكل التقليدي الكلاسيكي للقصة من مقدمة وعرض وخاتمة ،منعكساً في أغلب أعمال كتابنا العرب .
ولكن هذا الشكل تطور تطوراً فنياً واضحاً بظهور القصة الحديثة فكما الشعر تطور كذلك تطورت القصة فهجرت معقلها الأساسي في المباشرة والسرد والتقريرية ،واتجهت حيث العمق الإنساني معبرةً عن همومه ومعاناته بكل مافيها من قلق وغموض وتناقض واضطراب .وقد استفاد هذا التطور من تطور الفنون الأخرى .ولا شك أن تراثنا الأدبي فيما يحوي رصيداً قصصياً لا يستهان به فهنالك القصص القرآني ،كأصول الأمثال،وهنالك أيضاً القصص القرآنية والمقامات وحكايات ألف ليلة وليلة وملاحم عنترة والزير سالم والهلالي وغيرها من الحكايات التي أكدت على أن الفن القصصي موجود عند العرب منذ ذلك التاريخ لا كما يزعم البعض أن هذا الفن من الأدب قد وفد ألينا من أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ،حين بدأ ذوو المواهب من المثقفين العرب يقلدون ماقرأوا من أعمال قصصية أوربية ،سواءً عن طريق الترجمة أو بالقراءة المباشرة لهذه الأعمال ،أنتجوا المحاولات الأولى لهذا الفن القصصي التي أخذت بعد ذلك طريقها إلى النضج ،ولابد من ملاحظة تبين لنا بصورة جلية وواضحة هي أن جيل الرواد من كتاب القصة وحتى الرواية قد تأثروا بتراثنا القصصي وهذا ما نلمسه في كتابات جرجي زيدان مثلاً ونجيب محفوظ والعقاد وغيرهم… ففي تلك الكتابات نلحظ أن الجانب القصصي والخيالي يلامس بشكل آو بأخر حكايات ألف ليلة وليلة ذلك العمل الروائي الفذ الذي ألهب الخيال فينا وفي كل من قرأها ،وروايات أخرى وأن اختلفت معها في مجالي التعبير والتأثير .ولاشك أن القصة القصيرة في الأدب العربي الحديث قد تأثرت بالتراث القصصي في الأدب العربي القديم ابتداءً من “ألف ليلة وليلة”إلى “كليلة ودمنة” إلى ” المقامات “.
ولعل القصة التي تكتب اليوم هي نوع أدبي جديد لكن ليس فيه اختلاف عن ذلك الموروث القصصي ولكنه بأسلوب عصري متطور حاله حال الشعر وحسبنا أن ما يكتبونه اليوم من أعمال قصصية واقع تحت تأثير رواد هذا الفن في بلاد الغرب أكثر من تأثرنا بموروثنا القصصي ،وقد وردت كلمة القص والقصة في القرآن كما أسلفنا فقال تعالى “نحن نقص عليكم أحسن القصص” يوسف 3 ، وقال تعالى أيضاً ” إن هذا لهو القصص الحق” آل عمران 162 ، ووردت كلمة الخبر في القرآن الكريم بغرض العلم بالأشياء المعلومة وليست المبهمة وبعلم الغيب ،إلا أن التتبع في القرآن والإعلام عنه هو للإخبار عن الحقيقة بالصدق والصدق في التعبير عن الواقع ،وذلك حتى تصل صورة المعنى إلى النفس حية وبعيدة عن أي مؤثر خارجي يمكن أن يشوه تلك الحقيقة فلذلك كانت القصص القرآنية ذات بعد لتصل جليّة صافية إلى ذهن المتلقي دون أن تنحرف عن حقيقتها ومضمونها فلقد تجاوزت القصة القرآنية التتبع العادي للخبر حيث دخلت في بنية التاريخ لتصبح تأريخاً لوقائع حادثة بالفعل ولتكون هدى يتبعه المؤمنين وعبرة وعظة للمؤمنين ولغير المؤمنين .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.