«هدب الهيدب» قصصٌ تحتمل أكثر من قراءة رغم سوداويتها

jhjj

محمد الحفري
«تتجشأ الدائرة هندسة الأشكال، يغزو القمل رؤوس الجبال، تزهر امرأة تتعرى حليباً وتفاحاً، نظيفة كعروس، خالية من شارات المرور تتكاثر بلون زقزقتها، لم أكن أعلم أن الحذاء باب للتاريخ، الكلمة، النقطة ثقب الكلام، التشكيل تلصص»،
هذه كلمات كتبت على الغلاف الأخير لمجموعة هدب الهيدب القصصية لمؤلفها وفيق أسعد، وقد صدر له في هذا المجال أي القصة القصيرة «شظايا الجسد، بروق، مبهورون بالباهت، نهنهات الشيح»، وفي الشعر مجموعتان: «لهاث» و«وانفجار الجلنار».
وبالعودة إلى الغلاف الأخير للمجموعة القصصية «هدب الهيدب» سنلحظ اختيار الكاتب وفيق أسعد لكلماته بعناية فائقة قد ترتبط أحياناً بعشوائية ونزق جميل ينم عن عشقه ومحبته لفنه القصصي الجميل الذي يرتبط بلوحة يرسمها بنبض الروح ودفء القلب، فالكاتب رسام ونحات وتشكيلي وقصصه ترتبط غالباً بعلائق وثيقة مع عمله لأن الفنون جميعها تتشابك بعرى تكاد ألا تنفصل، فالطريق إليها واحد وإن تعددت الأشكال والسبل، ولعل هذا ينطبق إلى حد كبير مع رأي الروائي عبد الرحمن منيف حين سئل عن تجربته مع الفنان التشكيلي مروان قصاب باشا حيث قال: «أصبحت الآن أكثر يقيناً أن الإبداع شيء واحد» ومن ريف امرأة بكامل فصولها، القصة الأولى من المجموعة نلاحظ اشتغال الكاتب على لوحاته الفنية، فبطله يرافق والدته الحزينة، يجول معها الأسواق وهي تحاول أن تجلب لأولادها اللحم ومن هناك يخرج بلوحة جديدة، فالأولاد تعوّدوا تناول غذاء الكلب أو الحصة المخصصة له من اللحم عندما كانت والدتهم تعمل عند تلك السيدة صاحبته. كان التقسيم القصصي ناجحاً والمقاطع مقتصدة، ولعل أجمل ما في هذه القصة المقارنة بين حزن أم البطل من أجل تدبير لقمة الأبناء وحزن تلك السيدة على كلبها، وهذه المقارنة تتكرر في «نمش الثعالب» القصة التالية حيث ضجر الأب من الأغاني القاتمة ولعب أولاده وفرحهم، أخيراً يقرر اللعب معهم حيث «حا» يمشي و«هيش» يتوقف، كما تقول القصة، وهذه المقارنة تتكرر في أكثر من قصة، أو لنقل إنها سمة من سمات المجموعة التي بين أيدينا، فعلى سبيل المثال لا الحصر في قصة «نزيل السوس» يدخل الزبال إلى منزل ما لمعايدة صاحبه ولكونه لم يرزق بأطفال أو ربما لم يتزوج بعد من تنجبهم، لكن دمى الأطفال وألعابهم في الغرفة المجاورة تلفت انتباهه، ولذلك نراه يخاطب صاحب المنزل قائلاً: «دماك عرفت الفرح، داعبها طفل، عضْوَضَها، قبلها، نامت معه، وحلمت»، ومن خلال كلماته تلك نشعر بالمقارنة بين حالتين على الأقل، قصة هادفة تحمل في طياتها الفكاهة والجد، الفرح والحزن أو المأساة والملهاة في آن إذ يقول عن زوجته في نهايتها وبعد ركوب الأولاد على ظهره: «تمسح رأسي، تسقط دمعتان، لم أستطع التقاطهما وتشكلان على الأرض دائرتين متداخلتين تأسران وجهي الذي أخذ بالذوبان»، ولم يكن القص على المستوى ذاته حيث تراجع برأينا في «حمل الرتيلاء» حين يتخيل بطل القصة نفسه عنكبوتاً تبتلعه الزوجة في نهاية الأمر، وفي «كشتبان إبليس» يعود السرد ليتألق من جديد حيث يستعمل الكاتب الفصول وموروث العجائز وكبار السن «سعد ذبح وسعد السعود وسعد الخبايا»، وهو أيضاً ونقصد بطل القصة سعد الذي يقول: «أمي التي غرر بها الهدهد، غشها شباط وضحك منها الدوري»، وفي القصة المذكورة رمزية عالية تعتمد الميثولوجيا والأسطورة وهذه الرمزية الساحرة تتجلى بشكل أوضح عند وفيق أسعد في «السماء تجوع للأسفل» حيث الإنسان الذي يولد من الجوع ويموت من الجوع أو يبدأ بالرضع ويعود إليه، وتكاد هذه الرمزية التي يقصدها الكاتب حتماً أن تطول كل كلماته، نلحظ ذلك في قصته «قبلة طولها نعش» بدءاً من العنوان فهي تسعى إلى أبعد من الخيال.ولعل أهم ما يؤخذ على قصص المجموعة هذه الروح التشاؤمية التي تغلب وتسيطر على أبطالها وحالاتهم، ففي القصة السابقة لا يجد العاشقان مكاناً للقائهما، والحزن لا يمكن خداعه حيث تأتي والدة الحبيبة محمولة إلى هناك، وفي «النواس» يتفقد البطل المنزل ثم يستل مسدسه ويغادر حيث «يجفل الحمام، يطير، يعلو، يعلو»، وفي «النفق» لا شيء غير الدود في حياتنا يتكرر ذلك في «امرأة من نحل وذباب» حيث ثمرة تنغمس فيها مناقير العصافير، إبر الدبابير، أهداب النسيم، أصابع الشجر، وحين تنساها الأيدي تنغمس الأرض بثقوبها وفي «ورد يسير الورد» التي تتحدث عن ضيق العالم الذي يحاول العودة للثقب فيدخل في ثقب جديد حيث الجهة الأخرى من العالم وليس فيها سوى ضوء شحيح.
هذه السوداوية أو التشاؤمية قد تكون ذاتية لها الكثير من العلاقة بمرسل النص ومبدعه، لكن الكتابة تسعى في أغلب حالاتها نحو الجمال وهذا ما يجمع عليه الكثير من النقاد وحتى لو كان ما نكتب عنه قبيحاً، وهذه الرؤية القاتمة قلّلت في رأينا من جمالية المجموعة، أو سعيها نحو الجمال المتكامل، وهذا أشبه بالمستحيل لأن أفعالنا بطبيعتها لا تكتمل وستظل ناقصة وإلا لما كنّا بشراً، لكن يجب علينا القول إن الكاتب وفيق أسعد في مجموعته «هدب الهيدب» متمكن من أدواته صورة وتكثيفاً وتقطيعاً، والكلمة في موضعها الصحيح ومكانها المناسب، لم توضع عبثية وإنما لغايات ومقاصد تحتمل أكثر من قراءة وتحمل أكثر من وجه، فالنص الذي يحمل قراءة واحدة هو نص فاشل وميت منذ البداية، وفي «شهد الصدأ» حيث حواره مع ظله أو الظل الذي صار عتمته ما يدلل على كلامنا، وكذلك في «عثنون الزمن» أيضاً يتخيل البطل نفسه يحمل نعشه أو جثته حيث تبدو الفكرة والقصة لوحة فنان يملك العزم والإرادة لتحقيق ما يريد لتحطيم القوالب الجاهزة أو تركها ثم التأمل بعيداً وعميقاً من أجل بناء جديد.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.