الموقف من «الكتابية» .. من الإرث إلى النسق الثقافي

;po[p[

«الكتابية»، من «الكتابة»، ليست وسيلة للتواصل الاجتماعي والثقافي بين البشر عابرة للزمان والمكان، أو وسيلة لنقل الثقافة بين الأجيال وتثبيت العقود والمواثيق والتفاهمات بين الأطراف المتعاقدة، وهي ليست كل ما نفتخر به الآن ونتهم الآخر بسرقته، هي ليست كل ذلك فحسب، وإنما هي تعبير، في البدء، عن مرحلة متطورة في الوعي البشري تجاه مدركاته للعالم المحيط به، وطريقة في التفكير.
ولذلك تعدّ مرحلة تالية لمرحلة سابقة، سميَّتْ عند علماء الانثربولوجيا preliterate «قبل كتابي»، وربطها عامة الناس بـ»البدائية» أي الشعوب اللاكتابية كما يقول أشلي مونتاغيو «البدائية، عالم المعرفة» على الرغم من أن البدائية، كمرحلة في تاريخ البشرية، مختلفة عما «قبل كتابي»، فالأولى تتسم بمعايير الاندماج المطلق بين الفرد والمجتمع؛ بحيث لا تتشكل لديه الأنا الذاتية إلا من خلال الأنا الاجتماعية، ويتميز المجتمع فيها بالخشونة والبساطة المؤدية إلى عدم التمايز المناقض للمعقد، كما تتصل كلمة «البدائية» بنقطة ما في الزمان مبكرة أو أولى (كاثرن بيرندت «البدائية») أي ما قبل التاريخ. وفي قاموس ويبستر، تعرّف كلمة «بدائي» كما يلي: هي «ما يتعلق بالبداية أو الأصل حتى العصور الأولى أو ما يتصف بصفات العصور الأولى أو ببساطتها أو فجاجتها» (فرانمس. ل. ك.هسو . البدائية)
أما «قبل كتابي» فهي لغة، تشير إلى مجتمعات لا تعرف القراءة والكتابة، أي أنها تتسم بالأمية. ولكن ذلك لا يعني أنها مجتمعات بدائية وغير متحضرة؛ فالمجتمع العربي في الجاهلية كانت تسوده الأمية، وقد قال الرسول الكريم في ذلك «إنا أمَّة أميَّة لا نكتب، ولا نحسب»؛ ولكنه كان يتسم بقيم حضارية كبيرة تفتقرها المجتمعات المتمدينة الآن، كالكرم والنبل والتعاضد والرحمة، بالإضافة إلى التعبير البلاغي المفضي إلى قيم فنية عالية، بمدلولاتها الجمالية. يمكن القول إذن، إنّ مصطلح «الكتابية» يستدعي مصطلحاً نقيضاً هو «الشفوية» ويندرج معه في السياق الزمني التعاقبي، ويتمايز عنه بمجموعة من السمات؛ ظاهرها هيمنة القراءة والكتابة، مقابل هيمنة الأمية؛ وباطنها هيمنة التفكير الموضوعي مقابل هيمنة تعويم الحدود، في العلاقات والتلقي والثقافة ورؤية العالم. وهذا يستدعي جوهرياً مجموعة من الاختلافات بين المرحلتين، تميّزهما وتؤسّسُ فيهما السؤال الآتي، كيف ندرك العالم؛ هل بشكل كتابي أم شفوي، أي هل نحن، بناء على ذلك، مجتمعات شفوية أم كتابية؟ يبدو، جلياً، أنّ السؤال الأخير يتضمن بوحاً، لا يرتبط بمعرفة الكتابة والقراءة كوسيلة للتواصل مع الماضي والحاضر والمستقبل، وإنما بالوعي باعتباره طريقة للتفكير بالمدركات من حولنا؛ البيئية والاجتماعية، خاصة ما يرتبط منها بالمنحى التداولي.
في الثقافة العربية تم تكريس فهم خاطئ للقول السابق للرسول الكريم، إذ نقله المستدعون له من حيّز الوصف للحقبة الجاهلية إلى حيّز التعميم على الزمن الماضي والحاضر والمستقبل؛ فأصبح كأنه توصية من الرسول (ص) على التمسك بالأمية والابتعاد عن كل شكل كتابي، حتى لا يكون بدعة، فـ»كل بدعة ضلالة» والأصل في المجتمع العربي، قبل الإسلام، هو الذاكرة، وتدريبها على الحفظ ونقل الأخبار والروايات والأنساب وديوان العرب؛ ولذلك تنقل لنا كتب التراجم والموسوعات أخباراً مدهشة عن قدرة بعض أعلام الثقافة على حفظ كل ما يسمعونه للمرة الأولى. ثم استمر الاهتمام بالشفوية، ونبذ الكتابة بعد ذلك؛ حيث تبرز المفاضلة بينهما، حتى طال ذلك الحديث النبوي الشريف، ولم يسلم من ذلك غير كتاب الله، وفي تلك المفاضلة يقول الأصمعي: «سمع يونس بن حبيب رجلاً ينشد: استودع العلم قرطاسا فضيعه/ وبئس مستودع العلم القراطيس
فقال يونس: قاتله الله ما أشد صيانته للعلم، وصيانته للحفظ، إن علمك من روحك، وإن مالك من بدنك، فصن علمك صيانتك روحك، وصن مالك صيانتك بدنك» (جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر) وعن عمر بن الخطاب أنه أراد أن يكتب السنّة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار «من كان عنده شيء فليمحه» (جامع بيان العلم) وتدرج الاستثناء فشمل السيرة النبوية ،فيما بعد، ثم كتُب الرأي والكلام، حتى غدا كل نسق يحتفظ بما يراه مناسبا له «حرق الكتب في التراث العربي . ناصر حزيمي».
ولكن على الرغم من انتشار الكتابة والتدوين في ما بعد في كل العلوم وفي كل الأمصار، لم تنته المفاضلة لصالح الكتابية في الوعي العربي على حساب الشفوية؛ وبمعنى آخر اكتسب المجتمع العربي الكتابة فعلا إجرائيا للتواصل، ولكنه لم يكتسب الكتابية بوصفها وعياً إدراكيا تجاه العالم، فمارس الكتابة في تواصله التدويني وبقي شفويا في وعيه الثقافي، وبالتالي بقينا أبناء ثقافة لاكتابية. وتحولت الشفوية لدينا من إرث إلى نسق ثقافي.وفق ذلك يمكن أن نفسر تعلق المجتمع العربي حتى اللحظة الراهنة بمظاهر الشفوية في كل المجالات الثقافية، والعلاقات الاجتماعية، وأشكال الوعي السياسي، وكذلك صور تلقي العالم الذي نعيش فيه.ففي الحقل الثقافي نمجّد المثقف المفوّه بليغ الكلام وفصيحه، بالمعنى الكلاسيكي للبلاغة والفصاحة، بغض النظر عن محاكمة منطوقه موضوعياً، فنعجب في مجلسنا من قدرته على سبك الكلام وتوقيعه، وتزيينه بالمأثورات الشفوية الدينية والشعرية؛ وإذا حضرنا أمسية شعرية نعجب بالقصيدة الموقّعة، والنهايات المبنية على مفارقات كسر أفق التوقع، فنصفّق مشغولين بدهشتنا وإعجابنا؛ وإذا كنا في ندوة يستحوذ علينا المتحدث المرتجل بدون ورقة مكتوبة، حيث يصول ويجول في حقول معرفية متداخلة، ويتحدانا في قدرتنا على ضبط تعويمه المعرفي، من خلال قدرته على التحكّم في تلقينا الشفوي المأسور من قِبَل طاقته الصوتية، وتلوينها بما يناسب المقام والتلقي الشفوي. ولكننا في المقابل نشعر بالتعب والملل والشرود من ورقة مكتوبة بإتقان وعلمية؛ حيث نفقد القدرة على التركيز أكثر من بضع دقائق، فنضطر للخروج من المجلس أو القاعة أو الفضاء المرهق للعقل.وفي حقل العلاقات الاجتماعية نركن لصورها الشفوية ونردد الأمثال والأقوال المأثورة التي تمجدها، عن طيبة القلب والبساطة والعفوية، مقابل قسوة الآخر وإنكاره وخديعته؛ ثم عدم التعلّم من التجربة، والوقوع في الحفرة ذاتها مرات ومرات إلى أن يصبح (الجحيم هو الآخرون)، كما يقول سارتر في الجلسة المغلقة، بل إن كثيرا من متاعبنا القانونية ناتجة عن لجوئنا إلى الشفوية، واحترام الكلمة المنطوقة وليس المكتوبة والموثِّقة، بل إن جلّ الاختلافات الاجتماعية ذات البعد الاقتصادي منبتها الوعي الشفوي تجاه الآخر، حيث تتسم العلاقة معه بالحرج والخجل وعدم القدرة على مواجهته بموضوعية. وينعكس ذلك على راحة الفرد داخل مجتمعه بشكل عام حتى داخل الوجود القانوني للدولة التي تنظم العلاقات الاجتماعية في إطار الاحترام المتبادل للحقوق والواجبات، فيخضع التسيير الإداري للشفوية في الوعي، وليس للكتابية باعتبارها ممثَّلة بالقوانين الفاصلة في الخلافات الاجتماعية.
وفي الوعي السياسي نمجد السلف المفوّه، بدءا من خطبة الحجاج الشهيرة «إني أرى رؤوسا قد أينعت..» إلى خطب القادة والملوك والرؤساء المفوّهين في العالم العربي المعاصر، فكلما كان القائد بليغاً ومرتجلا وفصيحا كان متماهياً مع حلمنا في البلاغة الشفوية، بغض النظر عن عدالته على الأرض وصدقه مع ذاته ومع شعبه، بل إن معاييرنا في المفاضلة بين مقامه وجلالته وسعادته في لحظة التنافر والتنافس والغضب تعود إلى قدرته على إشباع نسقنا الثقافي في المشافهة؛ ومرجع ذلك هو الخطيب الديني الذي كان يمثل في الثقافة العربية البعدين، الدنيوي والديني، باعتباره خليفة وواليا يسيّر شؤون الناس في الدنيا، وباعتباره أميراً يعظ الناس ليصل بهم إلى الجنة في دينهم وآخرتهم. ولنجاح تلك المهمة لا سبيل له غير البلاغة الشفوية، فهي تكفل له الوصول إلى إقناع المتلقي عبر أدوات حجاجية مرتبطة بالتراث الديني من نصوص مقدسة وقصص وعظية، وبالتراث الأدبي ممثلا بالحكم والأمثال والمأثورات والأشعار.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.