من أغرب الحوادث الغامضة سر مصرع القنصل العراقي في تبريز .. !

k;lklp

د. معتز محيي عبد الحميد

يعد مصرع المرحوم عبد الوهاب درويش قنصل العراق في تبريز في عام 1941 ،من اغرب حوادث القتل التي تعرض لها دبلوماسي عراقي في الخارج ، ومن اكثرها غموضا واثارة ، وان كانت الحادثة مؤسفة ومؤلمة لأنها جاءت في ظروف قاسية وحظ عاثر 0
كانت الحرب العالمية الثانية في اوج شدتها عنفا وفتكا في مدينة تبريز بإيران ،وعندما تردد بين الناس بان الجيش السوفيتي سيدخل المدينة النائية في شمال ايران ،شعر الجميع بقسوة المعارك والمصير المحتوم الذي سوف يلاقيه الناس هناك 0
وكان في مدينة تبريز عدد قليل من القنصليات من بينها القنصلية الانكليزية والفرنسية والتركية ،وكان للعراق آنذاك قنصلية ايضا فيها ،وكان القنصل البريطاني ، بسبب قدمه بمثابة العميد للسلك القنصلي الصغير الموجود في المدينة 0
وكان المرحوم عبد الوهاب درويش هو القنصل العراقي والعربي الوحيد في المدينة ، وفي صباح يوم 25آب 1941 زار عبد الوهاب القنصل البريطاني وتحدث معه في الاحوال السائدة في المدينة بعد دخول القوات السوفيتية ثم زار القنصل التركي ، ولكنه لم يمكث عنده سوى سويعات قصيرة جدا ، فقد اقترح عليه القنصل التركي ان يبقى عنده ذلك اليوم ، او يسرع في الرجوع الى قنصليته ، لآن الجيش السوفيتي على ابواب المدينة وقد يدخلها بعد ساعات ،واذا دخلها فمن المحتمل ان تقع حوادث واضطرابات وسفك دماء 0فضلا عن ذلك ان القنابل كانت تلقى من القوات الروسية على المدينة وشوارعها منذ يومين ،مما جعل السير في الشوارع خطرا جدا 0 وبالرغم من ان عبد الوهاب درويش كان بمفرده في تبريز وكانت عائلته في بغداد فقد فضل العودة الى قنصليته خوفا من اندلاع العنف والقتل 0
وفي الساعة الثانية من بعد ظهر نفس اليوم دخلت القوات السوفيتية المدينة وقد سبقت هذه القوات مفرزة حماية لتطهير مايحتمل وجوده من قوة ايرانية نظامية او غير نظامية قد تباغت الجيش اثناء مسيره في شوارع المدينة وقد تستخدم القنابل اليدوية او رشقات البنادق ضد القوة في مسيرها من الشوارع او البيوت 0 وتقدمت هذه المفرزة لآحتلال ثكنة للجيش الايراني تقع في شارع شاهبور والذي كانت تقع فيه بناية القنصلية العراقية 0 وعندما وصلت القوة الشارع انشطرت الى صفين سار كل منهما على احد رصيفي الشارع ،بمواجة الابنيه والرصيف الاخر 0 وعندما وصلت الى منتصف الشارع اطلقت عليها عيارات ناريه من بعض افراد الجيش الايراني المتواجد في احد البيوت ، فأخذت المفرزه تقابلهم بالمثل ،فساد الذعر والخوف في الشارع ، وهرع الناس الى بيوتهم خوفا من اطلاق النار وبعد فتره خلت الشوارع من الماره 0 ومن بين الذين سادهم الذعر والخوف حراس القنصليه العراقيه والذين كانوا من الايرانيين فتركوا مبنى القنصليه وولوا الادبار ، بعد ان خلعوا ملابسهم الرسميه الخاصه بالقنصليه وارتدو ملابس مدنية ممزقة وبالية ، خوفا من ان يشتبه بهم افراد وجنود الجيش السوفيتي فيحسبوهم من افراد الجيش الايراني 0
وعلى اثر دخول الجيش السوفيتي ،والاحداث الخطيرة التي وقعت في المدينة واطلاق النار الذي استمر عدة ساعات مابين الجيش الايراني والسوفيتي والذعر الذي ساد المدينة ،اقترح القنصل البريطاني ان تتخذ بعض الاجراءات الامنيي لحماية دور القنصليات 0 فخصصت القوات السوفيتية اربعة جنود مسلحين لحماية وحراسة كل قنصلية 0 وفي مساء ذلك اليوم مر القنصل البريطاني بالقنصليات الموجوده في تبريز، ليخبر زملاءه بأن الامور اصبحت آمنه وان القنصليات يحرسها جنود ولم يعد هناك مايدعو الى الخوف او القلق ، وعندما وصل الى دار القنصليه العراقيه وجد بابها مغلقا ، فظن ان القنصل عبد الوهاب قد خرج بأمر ما ، فعاد ادراجه الى قنصليته 0
وفي صبيحة 26آب اخبر احد حراس القنصليه مرتديا ملابسا ممزقه ومهلهله التاجر العراقي الوحيد المقيم في تبريز (جمال اجماله)وهو من اهالي الحله بأن القنصل عبد الوهاب يطلب حضوره 0 وقد حضر التاجر العراقي مسرعا الى دار القنصليه وكان الفراشون قد سبقوه وفتحوا ابوابها ، ولما دخل قاعة القنصلية ، صعق في مكانه ،فقد كان القنصل عبد الوهاب درويش ملقى على ظهره جثة هامدة وبالقرب من النافذة،وقدماه في اتجاه الشارع 0 فأستدار التاجر جمال وهرع على الفور ليبلغ القنصل البريطاني بما رأى 0 ثم ذهب الاثنان الى القنصل العام التركي ، فأخذاه معهما وذهبوا جميعا الى القيادة الروسية واخبروها بالحادث 0
اهتمت القيادة الروسية اهتماما كبيرا وخشيت ان يستغله ضدهم دعاة ومؤيدو المحور او غيرهم من اعدائها0 وارسلت القيادة الى القنصلية العراقية مع التاجر العراقي جمال ضابط روسي وطبيب لفحص الجثة وتثبيت شهادة الوفاة 0
اثارت وفاة القنصل العراقي الغامضة تساءلات عديدة وتفسيرات غير مؤكدة عن اسباب مقتله ومن جملة هذه التفسيرات ان القنصل العراقي عبد الوهاب درويش كان واقفا في نافذة غرفته واراد من ذلك مشاهدة تقدم القوة السوفيتية التي كانت تمر بشارع القنصلية ،وتشاء الصدفة ان يطل القنصل من النافذة في اللحظة التي جرى فيها تبادل اطلاق النار بين المفرزة السوفيتية وافراد الجيش الايراني 0 وتشاء الصدفة ايضا ان تصيب القنصل اطلاقة طائشة في صدره من مجموع ست اطلاقات شوهدت اثارها على نوافذ الغرفة فتؤدي هذه الاطلاقة بحياته على الفور 0 اذ سقط على الارض صريعا بعد اصابته ولم يكن يدل على تحركه من مكانه 0
وكان عبد الوهاب درويش يومذاك في الثالثة والاربعين من عمره ، وقد ترك وراءه زوجة شابة وطفلين اكبرهما في السابعة من عمره 0 وكان موظفا قديما من موظفي وزارة الخارجية0 وقد خدم في الجيش العثماني مدة قصيرة ، ثم اصبح معلما في مدرسة ابتدائية في قضاء ابو الخصيب في البصرة وتدرج بجده وطموحه في وظائف الدولة مواصلا دراسته في الكلية حتى نال شهادة البكلوريوس في الحقوق وبعدها عين في وزارة الخارجية في سنة 1933 وتنقل في قنصليات العراق في بيروت والقدس وفي المدن الايرانية وقائما بالاعمال في طهران 0 حتى نقل الى تبريز في سنة 1940 لأنه كان مع موعد مع تلك الرصاصة الطائشة !
اهتم القنصل التركي بتهيئة مراسيم الدفن والتشييع وفق الشعائر الاسلامية 0 وجرى للمرحوم عبد الوهاب تشييع مهيب باحتفال لائق شاركت به القوة السوفيتية حيث اخرجت فصيلا من الجيش في تشييع الجثمان عندما علمت بأن المرحوم عبد الوهاب كان ضابطا سابقا 0وقد خرجت الجنازة ملفوفة بالعلم العراقي تحملها عربة مدفع ، وسار وراءها القناصل وعدد من الايرانيين والاجانب ، ولم يكن بينهم سوى عراقي واحد هو التاجر العراقي( جمال جماله )! 0 وشيع عبد الوهاب درويش ودفن في مقبرة بتبريز بعيدا عن اهله ووطنه وترحم عليه اصدقاؤه وزملاؤه في بغداد ، وتحدثوا عنه بضعة ايام ثم طواه النسيان 0 ولم تبق من ذكراه سوى اضبارة عتيقة واوراق التحقيق البالية التي حفظت في درج وزارة الخارجية ، ولم يعرف من الذي قتل عبد الوهاب درويش ؟

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.