الحاجة إلى الإصلاح الاقتصادي في العراق

لا يخفى على أحدٍ اعتماد الاقتصاد العراقي بشكلٍ أساس على المواردِ المالية المتحققة من بيعِ النفط الخام دون غيره من القطاعاتِ الانتاجية الأخرى نتيجة إخفاق القيادات الإدارية في مهمةِ وضع البرامج الكفيلة بتنويعِ موارد الدخل بمعزلٍ عن قطاعِ النفط، الذي ما يزال يشكل أكثر من ( 90 ) في المئةِ من الدخلِ القومي.
على الرغمِ من تيسرِ مقومات التنمية التي تزخر بها البلاد، إلا إنَّ اختناقها بعددٍ من الأزمات، التي انعكست بشكلٍ واضح على واقعِ الحياة اليومية في الشارعِ المحلي، ولاسِيَّمَا أزمة الإسكان ومشكلة نقص الخدمات البلدية والاجتماعية، فضلاً عن البطالةِ ما بين أوساط الشباب وخريجي الجامعات يعبر عن خللٍ كبير في إدارةِ الملف الاقتصادي على مدى أكثر من عقدٍ من الزمان؛ بالنظرِ لتداخل رؤى أقطاب البيت السياسي التي أفضت إلى استحالةِ التعامل بإيجابيةٍ مع معطياتِ المرحلة التاريخية التي تقتضي التركيز على موضوعِ التنمية بسياساتٍ استراتيجية كمدخلٍ إلى الإصلاحِ الاقتصادي المفترض، الأمر الذي يفرض على السلطاتِ الحكومية الشروع بمكافحةِ الفساد الذي طال أغلب مؤسسات البلاد تمهيداً لتأهيلِ جميع المصانع المتوقفة عن العمل، وتطوير إمكانياتها الفنية والإدارية لأجلِ زيادة الناتج الإجمالي المحلي وتحفيز الصناعة الوطنية لتمكينِها من المساهمةِ الفاعلة في اسنادِ القطاعات الاقتصادية الأخرى بما تحتاجه من متطلباتٍ فنية، بالإضافةِ إلى إعادةِ الروح إلى القطاعِ الخاص عبر إقرار تشريعات قانونية تنظم فعالياته وبخاصة تقليص الضرائب المفروضة على الموادِ الأولية وقطع الغيار، التي يجري تأمينها من خارجِ البلاد، إلى جانبِ الدعم الحكومي المتمثل بمنحِ القروض الميسرة وإيقاف عملية استيراد السلع والبضائع التي يمكن تصنيعها محلياً، انطلاقا من إدراكِ أهمية منظومة الإنتاج الوطني في مساعدةِ الدولة بترسيخِ عوامل الإنعاش الاقتصادي، ولاسِيَّمَا المساهمة بمهمةِ مكافحة البطالة التي لم تنج من عواقبِها حتى البلدان الصناعية المتقدمة.
إنَّ الإشاراتَ الكثيرة التي أطلقتها في السنواتِ الماضية شخصيات متخصصة بالشأنِ الاقتصادي بقصدِ التوجه صوب بناء قاعدة اقتصادية بوسعِها زيادة نسبة النمو وانتشال الاقتصاد العراقي من عقدةِ الاقتصاد ( الريعي )، الذي يعتمد على توزيعِ الثروة بدلاً من إنتاجها، لم تلق أي اهتمام جدي من مصممي السياسات الاقتصادية ومتخذي القرارات في البلادِ على الرغمِ من دعواتِها التمسك باقتصادِ السوق الذي ما يزال خياراً بعيد المنال.
لا مغالاة في القولِ أنَّ تقلباتَ أسعار النفط وتذبذبها في السوقِ النفطية العالمية تشكل السبب الرئيس الذي تتمحور حوله الأزمة المالية، التي عصفت ببلادِنا منذ أكثر من عامٍ على خلفيةِ الانخفاض غير المسبوق بأسعارِ النفط، الأمر الذي وضع العراق أمام معضلة كبيرة نتيجة اعتماد اقتصاده على النفط، وإغفاله تنمية القطاعات الإنتاجية الأخرى، فضلاً عن عدمِ تنشيطه لآلياتِ عمل القطاع الخاص، فكان أنْ أقر قانون الموازنة العامة للبلادِ بصعوبةٍ بالغة وبمخاطرةِ متأتية من تخمينِ سعر برميل النفط في ظلِ تذبذب أسعاره في الأسواقِ العالمية وانعدام بوادر تحسنها.
على الرغمِ من مختلفِ الجهود التي تبذلها الحكومة لأجلِ مواجهة الازمة المالية التي تزامنت مع الأزمةِ الأمنية التي تعيشها البلاد على خلفيةِ تنامي حلقات الهجمة الإرهابية، فإن من أبرزِ مظاهر هذه الأزمةِ الخانقة التي طالت أغلب الشرائح الاجتماعية هو تضاؤل فرص العمل وقلة السيولة النقدية التي تسببت بتراجعِ القدرة الشرائية وارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية، بالإضافةِ إلى التظاهراتِ الشعبية التي عمت أغلب مدننا بقصدِ دفع الحكومة إلى تبني سياسة الإصلاح الاقتصادي، بوصفها أفضل الخيارات التي من شأنِها المساهمة بخروجِ البلاد بأمانٍ من تداعياتِ هذه الأزمةِ المخيفة.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.