مشكلات التلوث النفطي في شط العرب

على الرغمِ من تعددِ مجالات الحاجة إلى المياه في الحياةِ اليومية مثل استخدامها لأغراضِ الشرب، الري، توليد الطاقة، فضلاً عن مختلفِ النشاطات الصناعية، فأنَّ أهميتَها لم تجعلها بمنأى عن مشكلةِ التلوث المتأتية من عشوائيةِ النشاطات البشرية، التي تفضي إلى الإضرارِ بجودتِها وإفساد نوعيتها، الأمر الذي يجعلها غير صالحة للاستخدامِ مثلما هو حاصل بإلقاءِ المخلفات الإنسانية، النباتية، الحيوانية، المعدنية، الصناعية، الزراعية والكيميائية في البحارِ والمحيطات، فضلاً عن مصادرِ الأنهار ومجاريها والمياه الجوفية.
بالرجوعِ إلى أدبياتِ منظمة الصحة العالمية، يقصد بمفهومِ ( تلوث المياه )،أي تغيير يطرأ على العناصرِ الداخلة في تركيبِه بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة نتيجة مختلف النشاطات الإنسانية، ما يؤدي إلى جعلِ هذه المياه أقل صلاحية للاستعمالاتِ الطبيعية المخصصة لها أو بعضها. وبعبارةٍ أخرى يعد الماء ملوثاً حينما يتعرض لأي فعاليةٍ بوسعِها إحداث تغيرات في خصائصه الطبيعية والبيولوجية والكيمائية، ما يفضي إلى جعله غير صالح للشربِ أو الاستخدامات المنزلية والصناعية والزراعية.
أرى من المهمِ الإشارة هنا إلى قبولِ الشعب الهولندي طوعاً هبوط مستوى معيشته عبرِ تضحيته بنسبةٍ من الدخلِ القومي تفوق نسبة تخصيصات الدفاع لأجلِ مكافحة التلوث وحماية بيئة الحياة، بخلافِ ما يجري في بلادِنا من ممارساتٍ خاطئة تعكس عدم اكتراثِ إدارات المصانع بمسؤوليتها في الحفاظِ على البيئةِ وتحسينها، فضلاً عن تجاهلِ الجهات المعنية بالأمرِ أهمية مواجهة مشكلة التلوث بجدية.
في وقتٍ تتصاعد فيه الدعوات المحلية لتفعيلِ التشريعات القانونية التي من شأنِها النهوضِ بالعراق نحو بيئةٍ نظيفة ومياه شربٍ عذبة تمنح الأهالي صحة دائمة ونشاطاً متجدداً في بيئةٍ خالية من التلوث، يثير استغرابنا ما يعلن بين الفينة والأخرى من أخبارٍ تتحدث عن تجاوزاتٍ على البيئةِ المحلية، التي من أحدثِ مظاهرها إعلان مديرية الماء في البصرةِ يوم أمس انقطاع المياه عن بعضِ المناطق السكنية بفعلِ إيقاف عمليات ضخ المياه بشكلٍ قسري على خلفيةِ وصول ملوثات نفطية مصدرها محطة ( النجيبية ) الغازية لإنتاجِ الطاقة الكهربائية، التي تم انشاؤها وتشغيلها حديثاً إلى عددٍ من محطاتِ التصفية والضخ الشاطئية، ولاسِيَّمَا محطات ضخٍ في منطقتي الكرمة والمعقل بهدفِ المحافظة على هذه المحطاتِ من العطلِ وتجنيبها تلف وحداتها في حالِ تسرب المواد النفطية إليها، إلى جانبِ تسبب البقعة النفطية بتضررِ الأحياء المائية، التي من جملتِها نفوق أسماك تعيش في أقفاصٍ عائمة قرب محطة النجيبية الجديدة، ما يعكس الآثار الاقتصادية المترتبة على تلويثِ المياه.
إنَّ ظهورَ كمية كبيرة من مادةِ النفط الأسود الثقيل في شطِ العرب كمخلفاتٍ لمحطةِ توليد طاقة كهربائية حديثة، لا يشكل ظاهرة جديدة في مجالِ تلويث مياهنا السطحية والجوفية، حيث أعلنت مديرية الماء في شهرِ آب من العامِ المنصرم ظهور بقع سوداء ورمادية كبيرة بشكلٍ مفاجئ في شطِ العرب بالقربِ من مركزِ المدينة بفعلِ إفرازات طحالب مجهرية سامة ظهرت جراء ارتفاع معدلات التلوث والزيادة في نسبِ التراكيز الملحية، بالإضافةِ إلى ركودِ مياه شط العرب.
إنَّ الأهميةَ الاقتصادية لشطِ العرب، بوصفه الميناء الرئيس لتصديرِ النفط الخام العراقي إلى الدولِ الأخرى عبر منافذ عدة منها ميناء ابو فلوس، أم قصر، خور الزبير، وخور عبد الله المطل على الخليج، يفرض على القياداتِ الإدارية في العراق الاهتداء إلى سياساتٍ استراتيجية لمواجهةِ مشكلات التلوث النفطي بدلاً من الركونِ لإجراءاتٍ تمليها ردة فعل، حيث أنَّ التلوثَ النفطي يعد من أخطرِ المشكلات البيئية، التي برزت في السنواتِ الأخيرة بشكلٍ كبير، ما أفضى إلى إلحاقِ أضرار كبيرة بالاقتصادِ الوطني وبيئة البلاد والصحة العامة.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.