خسرنا مباراة وربحنا سلامة أبرياء

 

قصة الطفل الذي لقي حتفه برصاصةٍ طائشة في مدينةِ الصدر ببغداد على خلفيةِ إطلاق بعض المتهورين العيارات النارية ابتهاجاً بتأهلِ منتخبنا الأولمبي إلى نصفِ نهائي بطولة آسيا تحت 23 عاما إثر فوزه على دولةِ الإمارات، لم تكن مفاجئة لمجتمعٍ ما تزال نسبة كبيرة من أفراده متمسكة بالرديء من إرثه في الأفراحِ والمناسبات. إذ كان خرق الأمن المجتمعي في العاصمةِ بغداد متوقعاً بعد أنْ تنامت هذه الظاهرة السلبية، وتفشت في أوساطِ مجتمعنا بشكلٍ مثير للقلق، لتتحول إلى طقوسٍ يومية تسببت في إراقةِ دماء كثير من الأبرياء، على الرغم من كثرةِ المطالبات الشعبية بتشديدِ الجهات الأمنية إجراءاتها بحقِ مطلقي الأعيرة النارية في مختلفِ المناسبات من أجلِ وضع حد لهذه التصرفاتِ السمجة؛ بالنظرِ لما تحدثه من حالاتِ فزع وإزعاج وأحزان في أوساطِ المواطنين.
تعدُ ظاهرة إطلاق الأعيرة النارية في الهواءِ من عاداتِ وتقاليد مجتمعنا القديمة، التي توارثها الأبناء جيلاً بعد جيل بقصدِ التفاخر أو الترحيب بالضيوفِ أو لأجلِ التعبير عن مشاعرِ الفرح أو الحزن التي تكتنزها صدور المشاركين في المناسبات، التي كثر ما شهدت إصابة بعض الحاضرين أو الأبرياء الذين لا تربطهم علاقة بذوي المناسبة برصاصٍ طائش جراء عدم سيطرةِ الرامي على سلاحه، بالإضافةِ إلى خرقِ من يمارس هذا السلوك سيادة القانون، بوصفِه تعبيراً عن أحدِ عنوانات الفوضى المؤرقة لحياةِ مجتمع يتفاخر بإرثه الحضاري والثقافي ويدعي التمدن، إلى جانبِ ما تشكله هذه الفعاليةِ المتخلفة من مساسٍ مباشر بهيبة الدولة والوظيفة الحكومية.
إنَّ بشاعةَ الجرائم، التي خلفتها ظاهرة إطلاق العيارات النارية بمختلفِ مناطق البلاد، دفعت في السنواتِ الماضية كثيراً من الشبابِ الواعي إلى إطلاقِ حملات واسعة في قنواتِ التواصل الاجتماعي للتعريفِ بمخاطرِ السلوكيات غير المشروعة في التعبيرِ عن المشاعرِ خلال المناسبات، بغية المساهمة في حمايةِ المجتمع من مساوئ هذه الرؤى المتخلفة التي من شأنِها تحويل أماسي أفراح الناس إلى مأتم.
لا يخامرنا شك في أهميةِ توجه الجهات المعنية لمعالجةِ هذه الظاهرةِ البدائية، لأجلِ استئصالها من منظومةِ حياتنا، بوصفِها من أخطرِ موروثات المجتمعات البدائية بفعلِ مأساوية عواقبها، التي لم تحد للأسفِ الشديد من رغبةِ بعض الشرائح الاجتماعية التي تسعى للاندماجِ بحركةِ المجتمعات المعاصرة من التمسكِ بآلياتِها، الأمر الذي يعكس ازدواجية المعايير الثقافية في مجتمعِنا، التي جعلت البون شاسعاً ما بين أطباعه البدائية المتوارثة وما بين محاولاته الحثيثة صوب التطبع بالسلوكياتِ الإيجابية للمجتمعاتِ المدنية المتحضرة.
إنَّ ظاهرةَ انتشار السلاح ما بين أوساط الشباب، ولاسِيَّمَا من تظهر عليهم علامات بداية مرحلة المراهقة، إلى جانبِ فوضى إطلاق النار والألعاب النارية في المناسباتِ الخاصة والعامة على مرأى ومسمع الجهات الأمنية، يشكل من دونِ أدنى شك تهديداً لأمنِ المجتمع وسلامة افراده، التي تفرض على الوسائلِ الإعلامية، فضلاً عن منظماتِ المجتمع المدني المساهمة بمهمةِ نشر الوعي ما بين الناس والكشف عن مخاطرِ هذه الآفةِ وما يترتب عليها من أبعادٍ اجتماعية وثقافية بوسعِها التأثير في سلوكياتِ النشء الجديد، غير أنَّ حسمَ الأمر يبقى مرهوناً بتوجه الجهات الحكومية إلى تفعيلِ حزمة التشريعات القانونية، التي تقضي بإحالةِ من يمارس عملية إطلاق النار في مختلفِ المواقف إلى القضاءِ بقصدِ إشاعة النظام والمحافظة على أرواحِ المواطنين وممتلكاتهم، بوصفِها ظاهرة أمنية يقتضي علاجها أساليب لا تجيدها سوى مفاصل المؤسسة الأمنية.
من عجائبِ هذا الزمانِ لجوء بعض المواطنين إلى الله عز وجل أملاً في الاستجابةِ لأمانيهم بخسارةِ فريقنا خشية من التداعياتِ التي يفضي إليها فوز فريقنا بكرةِ القدم.
بالأمسِ خسرنا مع اليابانِ منازلة رياضية مهمة ألمتنا كثيراً، قبالة ما كسبناه من ظروفٍ لسلامةِ الأبرياء، عجبي!!.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.