كيف نواجه خريف العراق ؟!

يحكى أن النعمان ملك الحيرة، أراد أن يبني قصراً ليس كمثله قصر، يفتخر به على العرب؛ ويفاخر به جيرانه الفرس, كان دافعه لهذه الرغبة الصدامية (..!..) هو أن ابن سابور ملك الفرس، كان سيقيم بهذا القصر، إذا أرسله أبوه إلى الحيرة، التي اشتهرت بطيب هوائها، وذلك لينشأ بين العرب ويتعلم ركوب الخيل.
كان سنمار الرومي؛ رجلاً مبدعاً ماهرا في البناء، فوقع اختيار النعمان، على سنمار لتصميم وبناء هذا القصر، فأستدعاه على عجل، وطلب منه أن يبني له قصرا، لا يوجد مثله في الدنيا، واستجاب سنمَّار لطلب الملك، وواصل الليل بالنهار؛ في تصميم وبناء القصر.
بنى سنمار القصر على مرتفع قريب من الحيرة، حيث تحيط به البساتين والرياض الخضراء، وكانت المياه تجري من الناحية العليا من النهر، على شكل دائرة حول ارض القصر، وتعود الى النهر من الناحية المنخفضة، وعندما انتهى سنمار من بناء القصر، وأطلقوا عليه اسم قصر الخورنق , وكانت الناس تمر به وتعجب من حسنه وبهائه.
بعد إنتهاء البناء، وقف سنمار والنعمان على سطح القصر، وظن سنمار؛ أن الملك سيمنحه مكافأة على إتقانه للعمل، لكن النعمان قال له: هل هُناك قصر مثل هذا القصر؟ أجاب سنمار: كلا ،ثم قال الملك: هل هناك بَنّاء غيرك يستطيع أن يبني مثل هذا القصر؟ أجاب سنمار: كلا ..ثم قال سنمار مُفتخراً: ألا تعلم أيها الأمير أن هذا القصر يرتكز على حجر واحد، وإذا أُزيل هذا الحجر فإن القصر سينهدم، فقال الملك النعمان: وهل غيرك يعلم موضع هذا الحجر؟ رد سنمار: كلا! فإذا بالملك يأمر بقتله، فلما سأله عن أسباب قتله؛ وهو الذي تعب في بلوغ مرضاته وتنفيذ ما طلب منه أجابه الملك بقوله: أخشى أن تبني مثله لغيري، ثم ألقاه النعمان عن سطح القصر، فخر ميتاً.
مثل هذا حصل ويحصل في العراق كثيرا ويوميا، فقد أطيح بآلاف الكفاءات والمتخصصين، الذين بإمكانهم قيادة الدولة، وخدمة الوطن بطرق عقلائية علمية، ليس ليحل محلهم رعاع القوم، ومن هم أدنى منهم كفاءة ومقدرة فحسب، بل لتتخلص الطبقة السياسية؛ من صداع أسمه الكفاءات والنخب، هذا الصداع الدائم ، الذي يُذكر الساسة بدونيتهم!
لقد تبوأ مئات من الفارغين أكاديميا مهنيا، مناصب تحتاج الى تخصصات دقيقة، ونُحي الذين يتوفرون عليها، وأصبحوا موظفين عاديين تحت أيدي أولئك، وهبط مستوى الأداء كثيرا، وتراجعت الجودة الى أدنى حدودها، وبتنا نشهد مشاريع تفتقر الى الحد الأدنى من المعايير الفنية، واتُخذت قرارات مصيرية، تخص الإقتصاد والتجارة والمال، من قبل اُناس لا يمتلكون تخصصات بهذه المجالات، ووضع على رأس مؤسسات تحتاج التخصصات بعينها، أناس بتحصيل أكاديمي أقل من عادي، وتسلل الى مجلس النواب أشباه الأميين..
كلام قبل السلام: لا بد من جرعة كبيرة من فقدان الإحساس؛ كي نواجه الخريف العراقي..!
سلام..

قاسم العجرش

qasim_200@yahoo.com

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.