تدهور واقع الغطاء النباتي في بغداد

يعد الغطاء النباتي رئة المدينة، التي تلزم بلديات المدن الاهتمام بالمساحاتِ الخضراء، بوصفها السبيل الوحيد، الذي بمقدوره تحقيق ثلاث وظائف رئيسة، أولها بيئي يعنى بتجديدِ الهواء وتصفيته من الغبارِ وحجزِ الضوضاءِ وعزلها، فضلاً عن مساهمته بمنعِ انجراف التربة بفعلِ جذور النباتات الضاربة في الأرض، وثانيها اجتماعي بقصدِ التنزه وترفيه السكان عن النفسِ في المحيطِ العمراني، فيما تقوم الوظيفة الأخيرة على الجانبِ الجمالي الذي يعطي للمدنِ والأحياء قيمة حضارية جراء ما تشكله المناطق الخضراء من مشاهدٍ خلابة توفر منظراً جميلاً يريح الأعين، ويبعث على الراحةِ والاطمئنان.
منذ مطلع العقد التاسع من القرنِ المنصرم، تعرضت المساحات الخضراء في مختلفِ مناطق العراق إلى التناقص، ثم ما لبثت أنْ بدأت ملامح انحساره تتضح شيئاً فشيئاً مع مرورِ الوقت؛ بالنظرِ لتداخلِ مجموعة من العواملِ في مقدمتِها لجوء الأهالي قسراً إلى خيارِ قطع الأشجار والشجيرات لأجلِ استخدامها في اغراضِ الطهي والتدفئة وغيرها من الاحتياجاتِ المنزلية بفعلِ النقص الشديد بإمداداتِ الطاقة، ما أفضى إلى إزالةِ الغطاء النباتي المحيط بالمدنِ وإلحاق أضرار شديدة بالبيئةِ المحلية.
من العواملِ الأخرى المؤثرة في هذا المنحى الذي قوض قسماً كبيراً من هذه الفعاليةِ الحضارية هو ما تجسد في زيادةِ الزحف العمراني على حسابِ الأراضي الزراعية من خلالِ إقامة المنازل والبنايات وشق الطرق وإنشاء الأسواق والمحال التجارية وممارسة الأنشطة الخدمية في داخلِ المدن وعلى جوانبِ الطرق الممتدة إليها، ما أدى إلى المساهمةِ في تمهيدِ الطريق أمام ظهور مشكلة التصحر وتنامي آثارها. وضمن هذا السياقِ لابد من التنويه عن مشكلةِ انعدام التخطيط السليم في المدن، الذي كان من أبرزِ موجبات توسع العمران على حسابِ الغطاء النباتي. ويضاف إلى ما تقدم عامل آخر يتعلق بعاداتِ الناس وسلوكياتهم المشجعة على الأنشطة الخاطئة، التي تسببت بإلحاقِ أضرار بالغة بموجوداتِ المساحات الخضراء، مثل إشعال الحرائق والرعي الجائر، وغيرها من الفعالياتِ البشرية التي تعكس قصوراً في الوعي في أهميةِ المناطق الخضراء ودور النباتات في تحسينِ بيئة الحياة نتيجة قيامها بعمليةِ البناء الضوئي، التي تعمل على زيادةِ نسبة الأوكسجين وتقليل نسبة ثاني أوكسيد الكربون في الغلافِ الجوي. ومن المهمِ الإشارة هنا إلى أنّ أخطرَ الأسباب القاهرة التي ساهمت في تناقصِ المساحات الخضراء في مدنِ البلاد يكمن في تداخلِ المصالح الشخصية في المشروعاتِ التنموية العامة.
لأنَّ الغطاءَ النباتي عنصر بالغ الأهمية في مجالِ الخدمة الاجتماعية لأي مدينة في أرجاءِ المعمورة، فإنَّ أمانةَ بغداد ملزمة بالإكثارِ من المسطحاتِ الخضراء عبر برنامج طموح يتضمن تفعيل الدور الرقابي لمديرياتها على المساحاتِ الخضراء القديمة التي ما تزال عرضة للإهمالِ والعبث وتفعيل الإجراءات القانونية بحقِ المخالفين بالاستنادِ إلى التشريعاتِ النافذة بقصدِ تأهيلها، بالإضافةِ إلى الشروعِ بإنشاء الحدائق والمتنزهات وزراعة الجزرات الوسطية من أجلِ وصول المعيار العالمي في نصيبِ الفرد من المساحاتِ الخضراء الذي يبلغ بحسبِ معيار منظمة الصحة العالمية ( 11 – 15 ) مترا مربعا للشخصِ الواحد.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.