عشرة الفجر… تلك الأيام التي هزت العالم عودة الإمام الخميني «قدس سره» في الأول من شباط عام 1979 وإنتهت بوقوف الجيش الإيراني إلى جانب الثورة، في الحادي عشر منه

oiuoi

لا أحد ممن يهتمون بتاريخ الثورات الكبرى إلا ويتذكر الصحافي الأميركي، جون ريد، الذي أرخ في كتابه “عشرة أيام هزت العالم” للثورة البلشفية في روسيا، تلك الثورة التي أقامت نظاماً شاع معه الاعتقاد عند الشعوب المقهورة بأنها قد دخلت فعلاً في عصر الانعتاق من نير الاستعمار والأنظمة الفاسدة. لكن هذا النظام الذي حقق إنجازات كبيرة وتقدماً سريعاً انهار بعد سبعين عاماً ليفسح المجال أمام عربدة الولايات المتحدة التي بدت واثقة من أنها باتت قادرة على الشروع بإخضاع الشعوب بشكل نهائي عبر إقامة إمبراطوريتها العالمية.
لكن عشرة أيام أخرى كانت قد بدأت تهز العالم قبل انهيار الاتحاد السوفياتي بعقد من الزمن لتفتح صفحة جديدة في تاريخ ثورات التحرر الكبرى. إنها “عشرة الفجر” التي ارتسم فيها فجر جديد للبشرية خلال الأيام التي بدأت مع عودة الإمام الخميني (قدس سره) إلى إيران، في الأول من شباط/ فبراير عام 1979، بعد خمسة عشر عاماً من التنقل بين المنافي، وانتهت بوقوف الجيش الإيراني إلى جانب الثورة، في الحادي عشر من الشهر نفسه.
قبل سبعة أشهر من ذلك التاريخ، كان شاه إيران قد ألقى خطاباً شهيراً قال فيه : “لا أحد يمكنه إسقاطي. فأنا أتمتع بدعم غالبية الشعب ومعي جميع العمال و700 ألف جندي”.
لكن الشعب الإيراني كذب أحدوثة الشاه. ولم يحل القمع الوحشي الذي مارسته أجهزته المدعومة من الأميركيين والإسرائيليين، وهو القمع الذي أدى إلى سقوط عشرات الآلاف من الشهداء، دون اضطرار الشاه إلى الهرب ليستقر ويموت في الولايات المتحدة بعد مدد أمضاها في ضيافة بعض أصدقائه من الحكام العرب.ومنذ اللحظات الأولى للثورة، كانت قيادتها الصلبة والحكيمة المتمثلة بالإمام الخميني وتلامذته، تعلم أن المعركة أكبر من أن تنتهي بإسقاط الحكم الشاهنشاهي وإقامة الحكم الإسلامي. فالشاه لم يكن غير ألعوبة بيد الأميركيين والإسرائيليين الذين كانوا قد تمكنوا، بعد خطاب السادات في الكنيست عام 1979، من فرض الاستسلام على معظم النظم العربية.
ومن هنا، ولكن أيضاً لكي تعبر الثورة الإسلامية عن التزامها غير المحدود بقضية الشعب الفلسطيني وبقضايا المسلمين والمستضعفين في العالم، تم إغلاق السفارة الإسرائيلية في طهران وحولت مكاتبها إلى مقر لممثلي منظمة التحرير الفلسطينية، كما احتل الطلبة الثوريون السفارة الأميركية (عش الجواسيس الأميركي) واحتجزوا موظفيها كرد على استقبال الشاه في الولايات المتحدة.
وشكل ذلك بداية المواجهة بين إيران الثورة وأميركا التي انطلقت من عنجهيتها الهوليودية عندما خططت، بالتعاون مع الإسرائيليين وبعض العرب، لتحرير الرهائن وإسقاط الحكم الإسلامي من خلال عملية كوماندوس نفذتها أكثر من عشر طائرات مقاتلة ومروحية. لكن العملية انتهت بتصادم بين عدد من الطائرات فوق صحراء طبس قتل فيه العشرات من جنود النخبة الأميركيين. كما أدى الفشل في تحرير الرهائن إلى سقوط جيمي كارتر في الانتخابات الرئاسية الأميركية.
والأكيد أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني قد استوعبا جيداً درس طبس وفضلا استخدام القوى الإقليمية التابعة في مواجهة الجمهورية الإسلامية التي وضعت تحرير فلسطين في مقدمة أولوياتها. ومن هنا كانت الحرب التي أعلنها صدام حسين على إيران بدعم من الغرب ومعظم الأنظمة العربية واستمرت لثماني سنوات وكلفت ملايين القتلى والجرحى وخسائر مادية بمئات المليارات من الدولارات.إن مراجعة سريعة لمواقف بلدان الغرب وتصريحات مسؤوليه في تلك المدة تظهر بشكل جلي أن أهم الأهداف المتوخاة من دعم نظام صدام في تلك المدة كان ضمان أمن الكيان الصهيوني وحماية الأنظمة العربية في وجه الرياح التي أطلقتها الثورة الإسلامية في إيران.وبعد فشل هذه الحرب، وجد الأميركيون، بعد اصطناع الهجمات على نيويورك وواشنطن، أن التدخل العسكري المباشر هو السبيل الوحيد لضرب الثورة الإسلامية واحتواء إيران. ومن هنا كان غزو أفغانستان والعراق، أي البلدين اللذين يحدان إيران من الشرق والغرب.
ومرة أخرى فشل هذا المشروع. ورغم الحصار والعقوبات والتهديدات اليومية بضرب إيران من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، واصلت الجمهورية الإسلامية تقدمها الباهر في جميع ميادين التنمية. من دخول النادي النووي وغزو الفضاء بالتوازي مع الدعم اللامحدود لقوى المقاومة في المنطقة، وهو الدعم الذي كان له أكبر الأثر في الانتصارات التي حققتها المقاومة في لبنان وغزة عبر تحطيم أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي كانت تقدمه المزاعم على أنه لا يقهر.
وبالمقابل، دخلت الولايات المتحدة في حالة غير مسبوقة من الانكفاء تراجعت معها القطبية الأميركية الواحدة لصالح التعددية القطبية في ظل صعود روسيا والصين وبلدان البريكس.واليوم لم يبق لمشروع الهيمنة غير الرهان على حصاني الربيع العربي وفتنة الإرهاب التكفيري. لكنه رهان خاسر. فالربيع العربي أصبح مثاراً للسخرية. والإرهاب التكفيري سرعان من انكشف عن فضيحة مجلجلة، في وقت تثبت فيه الأحداث أن ” عشرة الفجر” هي رافعة كبرى من رافعات التاريخ المعاصر.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.