تلوث مياهنا يعيق عملية التنمية

حاجة الإنسان الدائمة للماء، لم تجعل مصادره بمنأى عن التعرضِ للتلوثِ بفعلِ عواملٍ طبيعية وأخرى متأتية من نشاطاتٍ بشرية تتمثل برمي مخلفات صناعية، حيوانية، وإنسانيّة في المجاري المائية، الأمر الذي يفرض على الحكوماتِ بمختلفِ دول العالم إيلاء مضامين اتفاقيات المنظماتِ الأممية المعنية بالشأنِ البيئي اهتماماً خاصاً من أجلِ المساهمة بشكلٍ فاعل في مهمةِ الحفاظِ على بيئةِ الحياة. وتزداد مخاوف المتخصصين بمجالِ تحسين البيئة من خطورةِ الآثار المترتبة على مشكلةِ التلوث المائي بفعلِ عدم اقتصار أضرارها المدمرة على صحةِ الإنسان، وما تفضي إليه من احتمالاتِ إصابته بالأمراضِ وبشكلٍ خاص الكوليرا، الملاريا، التيفوئيد، البلهارسيا، التهاب الكبد الوبائي، وحالات التسمم، إلى جانبِ امتداد مساحة سلبية تأثيرها إلى جميعِ نواحي الحياة في البيئةِ المائية، فعلى سبيل المثال لا الحصر تساعد الأسمدة والمخلفات الزراعية المتسربة إلى المياه على نموِ الطحالب والنباتات المختلفة، التي من شأنِها الإضرار بالثروةِ السمكية جراء حجبها ضوء الشمس ومنع الأوكسجين من الوصولِ إلى داخلِ المياه، فضلاً عن مساهمتها بتكاثرِ الحشرات مثل البعوض والقواقع المسؤولة عن المساهمة بانتشارِ بعض الأمراض، ولاسِيَّمَا البلهارسيا.
على مدى العقود الماضية، ساهمت عوامل عدة بالتأثيرِ على النشاطِ البشري والاقتصادي في العراق من جملتها زيادة المصادر المساهمة بتلويثِ مياهنا الوطنية، التي تتلخص أبرزها برمي المصانع والمعامل مخلفاتها بمختلفِ أشكالها في نهري دجلة والفرات وروافدهما، وتصريف المياه المنزلية العادمة فيها من دونِ إخضاعها للمعالجة، فضلاً عن تناقصِ مناسيب المياه في الأنهارِ الرئيسة ودخولها حدودنا الدولية محملة بمختلفِ أنواع الملوثات القادمة من دولِ الجوار، إلى جانبِ مشكلة تسرب النفط إلى المياه أو إلقاء الماء المحمل بكمياتٍ من النفطِ الموجود في مستودعاتِ الاستقرار للناقلاتِ في مياهنا الإقليمية، ولاسِيَّمَا شط العرب الذي تسببت في الترسبات الطينية والغوارق البحرية الكبيرة، التي وجدت في مجراه مستقراً لها منذ بدء حرب الخليج الأولى بعرقلةِ الملاحة فيه، إذ أصبحت مشكلة تلوثه تؤرق المهتمين بشؤونِ البيئة، بوصفه إطلالة العراق البحرية ومنفذه الوحيد إلى العالم. وبحسبِ الدراسات البيئية يغطي الطن الواحد من النفطِ المتسرب مساحة قدرها ( 12 ) كيلو مترا مربعا، ما يؤدي إلى تسممِ بعض الطيور البحرية بشكلٍ مباشر، بالإضافةِ إلى تعرضِ الكائنات البحرية الأخرى إلى أخطارٍ جسيمة جراء انخفاض تركيز الأوكسجين في الماء.
أحدث المشكلات الناجمة عن تلوثِ المياه في البلاد، تجسدت مؤخراً في توجيه وزارة الصحة والبيئة إنذاراً عبر فرقها الرقابية في محافظةِ البصرة إلى إدارةِ محطة ( النجيبية ) الغازية على خلفيةِ تسببها بتلوثِ المياه جراء استمرارها برمي مخلفاتها وملوثاتها النفطية في شط العرب، على الرغمِ من أهميةِ مياه هذا النهر في تأمينِ احتياجات السكان في بعضِ مناطق المحافظة، بوصفه مصدراً رئيساً لعملِ بعض محطات إنتاج مياه الشرب المقامة على ضفافِ النهر.
إنَّ ركونَ وزارة الصحة والبيئة الى التهديدِ بإيقافِ عمل إحدى محطات توليد القدرة الكهربائية في ظلِ النقص الكبير بإمداداتِ الطاقة، يؤشر استمرار التجاوزات الحكومية والشعبية على مياهنا الوطنية وتفاقمها، ما يعني المساس بفاعليةِ عددٍ من النشاطاتِ الاقتصادية والاجتماعية والبلدية، وبالتالي المساهمة في إعاقةِ بعض مفاصل عملية التنمية.
في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العگيلي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.