من ذاكرة 8 شباط 1963 إنقلاب البعث الأول عرس الدم وأيام العسل المر

سيبي

1

رغم أن تاريخ العراق مليء بالعنف الدموي الا ان ليلة هرير 8 شباط كان لها وقع آخر ودموية اخرى وحسابات تصفية من نوع صعب توقعه ناهيك عن حدوثه.
في مذكراته، المعنونة بـ«مرآة حياتي»، يقول وزير الدفاع السوري الأسبق، مصطفى طلاس، إن علي صالح السعدي، أحد مؤسسي حزب «البعث» العراقي، (وزير الداخلية العراقية ـ 1963) زار العاصمة السورية دمشق بعيد انقلاب الثامن من آذار 1963، وكان أول أسئلته لرفاقه السوريين: ماكو دم؟ أين المشانق؟
بعد مدة زمنية قليلة من نجاح تنظيم الضباط الوطنيين “أو الأحرار” في العراق في الإطاحة بنظام الحكم الملكي وتحويل نظام الحكم في العراق إلى النظام الجمهوري في عام 1958، بدأت بوادر الخلافات بين الأحزاب والقوى السياسية والضباط الوطنيين أو “الأحرار”، حيث كانت القوى القومية بزعامة عبد السلام عارف وحزب البعث تنادي بالوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة. في المقابل، وفي محاولة لخلق حالة من التوازن السياسي، حاول الحزب الشيوعي العراقي الذي كان معارضًا لفكرة الوحدة إلى طرح فكرة التعاون مع الجمهورية العربية المتحدة في المجالات الاقتصادية والثقافية والعلمية بدلا من الوحدة السياسية والعسكرية الشاملة.تدريجيا ساءت علاقات عبد الكريم قاسم مع بعض زملائه من أعضاء تنظيم الضباط الوطنيين أو الأحرار ثم تعكرت علاقته مع التيارات الوحدوية والقومية التي لعبت دورا فاعلا في دعم حركة سنة 1958. أما التيارات المتصارعة في الحزب الشيوعي العراقي فكانت طامحة للتحالف مع عبد الكريم قاسم والتي كانت تمتد علاقتها معه منذ أمد بعيد حيث اعتقد قاسم أن بعض حلفائه الشيوعيين أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من الوثوب إلى الحكم، وخاصة بعد تزايد نفوذ الحزب الشيوعي بعد ذلك الشعار التي كان يردده الكثير من الشيوعيين ومؤيدي الحكومة في إحدى المسيرات: “عاش الزعيم عبد الكريم، حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيم”
يقول مراسل صحيفة جويش اوبزرفر الخاص في بغداد بتاريخ 8 آذار 1963، عن انقلاب 8 شباط 1963من المستحيل تماماً فهم ما يجري هنا – وخصوصاً فهم العلاقات الخارجية للنظام – من دون أن يدرك المرء كلياُ لماذا وكيف جرى الاطاحة بقاسم؟. انها قصة مثيرة، حتى بمقاييس أكثر حكايات ألف ليلة وليلة إثارة للخيال.
تداخلت مجموعة من العوامل الداخلية والإقليمية وهيأت الظروف المناسبة للإطاحة بعبد الكريم قاسم وأركان حكمه، فيرى بعض المؤرخين أن من أسبابها ما وصفوه بتخبط وفردية قاسم والأخطاء التي ارتكبها بإعدام القادة والوطنيين وأعمال العنف التي قامت بها المليشيات الشيوعية المتحالفة مع قاسم والخلاف مع المشير عبد السلام عارف الذي كان قيد الإقامة الجبرية، علاوةً على تصرحات قاسم المتكررة عن دعمه للعميد السوري عبد الكريم النحلاوي وللعقيد موفق عصاصة، بغية القيام بانقلاب لغرض انفصال الشطر السوري الذي كان متوحداً مع مصر في إطار الجمهورية العربية المتحدة. كما أن لعبة السياسة الدولية ومصالحها كان لها دور في تشجيع أو تأييد الخصوم أو جني ثمار نزاعات الأطراف المتصارعة، كل ذالك مهد للاحداث المتسارعة وعلى الرغم من هذه الخلافات الفكرية والسياسية إلا أن جذور العلاقة الطويلة الاجتماعية والمهنية بدت وكأنما أزيل عنها الغبار. ففي الوقت الذي يبدو فيه أن عبد الكريم قاسم لم يكن جاداً بإتخاذ الخطوة الأخيرة بإعدام عارف وكأن العملية برمتها لعبة إقصاء وردع بين متنافسين، إتخذ عبد السلام عارف موقفاً مشابهاً حين أرسل قادة حركة أو انقلاب أو ثورة 8 شباط 1963 عبد الكريم قاسم للمحاكمة في دار الاذاعة، حيث وجد نفسه مرةً ثانيةً وجهاً لوجه مع صديقه اللدود الذي عفا عنه وسمح له حتى لزيارة بيت الله الحرام فإنبرى عارف وباصرار أمام معتقليه أعضاء تيار علي صالح السعدي من حزب البعث بل في جاءت النهاية رضخ عبد السلام عارف لزملاء اليوم وكان هو من قرر الإعدام وبصورة عاجلة وبدون أية محاكمة لعبد الكريم قاسم في دار الاذاعة.
أعدم عبد الكريم قاسم اثر انقلاب 8 شباط 1963م، وكان حين نفذ فيه حكم الاعدام رمياً بالرصاص في مبنى إذاعة دجلة في العاصمة بغداد.
ومن دون التقليل من شعبية قاسم، لعب بعض سياساته لمصلحة البعث. فالإفادة التي جناها حكمه من الانفصال السوري عن العربية المتحدة في أيلول (سبتمبر) 1961، بدّدها تجدد الحرب الكردية في الشهر نفسه. وكان انقلاب تموز (يوليو) 1958 استقبل الملا مصطفى البارزاني في بغداد، بعد اقامة طويلة في موسكو، ثم ساعده على إخضاع العشائر المنافسة له، ما وضع السلام في كردستان على أجندة التفاؤل. كذلك عاودت علاقات قاسم تردّيها مع الشيوعيين، بعدما نظّموا في أيار (مايو) 1962 مظاهرة ضخمة تطالب بالسلام العربي الكردي. وكان “الزعيم الأوحد” اطمأن الى أن مصدر الخطر عليه أضحى ينحصر في الشيوعيين والاكراد، إذ القوميون يضمّدون جراحهم، لا سيما وقد ابتعد شبح عبد الناصر عن دمشق.
وما بين استياء راح يعم سلك الضباط، وتدهور في الوضع المعيشي، وآثار غير سارّة خلّفتها مغامرة قاسم الكويتية في حزيران (يونيو) 1961، وسمعة تجمع بين دموية النظام ومزاجية القائد العُظامي، لاح التجرؤ ممكناً على السلطة المرهوبة.
وبالفعل ففيما كان الشيوعيون يتظاهرون ويجددون ارتياب الحكم بهم، مؤكدين أن تناقضات قوى “الوطنية العراقية” من نوع انفجاري، كان وكرٌ في بغداد يؤوي حدثاً غير عادي. فقد نجح السعدي، بخليط من النزعتين التآمرية والبطولية، في ان يعقد مؤتمراً سرياً للحزب في قلب العاصمة، تشكلت على ضوئه القيادة التي ستتولى الانقلاب. في هذه الغضون، ومن تحت الأرض أيضاً، أسس “جبهة قومية” ضمّت الى البعث بقايا الاستقلاليين والمجموعات العروبية والناصرية الصغرى.
فحتى ذاك الحين لم يكن خلاف عبد الناصر والبعث قد انعكس على العراق وقومييه بالحدّة التي عرفها في سورية. ذاك أن أمر اليوم، لدى أتباع العروبة في بغداد، ظل واحداً لا يتغير: قطع الرأس الأحمر.
وأخيراً فقد كان من الصعب علينا وصف قاسم بأوصاف تدينه غير الفردية، كان عفيف اليد، وكانت عيناه شبعايين فلم يطمع وهو حاكم العراق الوحيد ببستان أو قطعة أرض، في حين سعى كل حكام العراق الذين سبقوه والذين خلفوه للكسب والاستيلاء وسرقة المال العام، خصوصاً كتلة صدام وخيرالله طلفاح والحيتان من أنجالهم وأصدقاء أنجالهم.
ومن انجازاته سن قانون رقم (80) وبموجبه أمّم 99.5% من الأراضي النفطية، وسلَّم مصر جميع الوثائق السرية في الخارجية العراقية والتي تخص مصر وسوريا والعائدة إلى العهد الملكي وحلف بغداد، تأسست في عهده منظمة أوبك، وأسس صناعة الصلب والاسمنت، لم ينتفع ولم يسمح لغيره أن ينتفع بصورة غير شرعية، ولم يخض حروباً بالنيابة وغير ذلك كثير وكثير مما يؤكد ان خصومه لم يعترضوا عليه الا بسبب الصراع على توزيع المراكز في السلطة، فاستعانوا بجهات اقليمية ودولية لها مصالح في العراق لاسقاطه.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.